يمكن مشاهدة الحقيقة التي أثبتتها الأدلة الأثرية في المعرض
تؤكد الأدلة الأثرية أن أقدم منشأة فريدة دُرست فيها أسرار السماء دراسة علمية في القرن ٤ قبل الميلاد كانت قلعة قوي قريلغان الواقعة في إقليم خوارزم القديم في آسيا الوسطى. ويُعرض نموذج المرصد القديم الذي دُرست فيه أسرار السماء في معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
المرصد هو منشأة علمية خاصة أُنشئت لرصد الأجرام السماوية، بما في ذلك الشمس والقمر والكواكب والنجوم، ودراسة حركتها ومواقعها وقوانينها دراسة علمية. وقد احتلت مثل هذه المنشآت مكانة مهمة في تاريخ تطور البشرية، إذ أدت دورا أساسيا في تحديد الوقت، ووضع التقويم، والتنبؤ بالظواهر الطبيعية، وتطوير المعارف العلمية. ولم تساهم المراصد في علم الفلك فحسب، بل مهدت أيضا لتطور علوم أساسية مثل الرياضيات والهندسة والهندسة المثلثية والمساحة والفيزياء. ومن هذا المنطلق تكتسب قلعة قوي قريلغان التي شيدت في إقليم خوارزم القديم أهمية خاصة باعتبارها من أقدم المراصد في آسيا الوسطى.
اليوم يحتل نموذج هذا المعلم التاريخي الفريد مكانه ضمن معرض الحضارات في فترة ما قبل الإسلام في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وهو ما يظهر أن هذه الأرض شهدت قبل الإسلام وجود علم رفيع وعمارة معقدة وحضارة متطورة.
تقع قلعة قوي قريلغان في منطقة إليك قلعة بجمهورية قرقلپاقستان، وتعد من المعالم الفريدة التي ارتفعت في قلب صحراء توران. وهي جزء من وادي القلاع الشهير، وقد تركت أثرا لا يمحى في التاريخ بوصفها أحد المراكز السياسية والدينية والعلمية المهمة لحضارة خوارزم القديمة. ووفقا للدراسات الأثرية يعود هذا المعلم إلى الفترة الممتدة من القرن ٤ قبل الميلاد حتى القرن ٤ الميلادي، وتشير بعض الآراء العلمية إلى أن جذوره تعود إلى عصور أقدم من ذلك.
يبين الطابع المعماري للقلعة أنها لم تكن مجرد منشأة دفاعية، بل كانت مركزا علميا ودينيا. فقد شيدت على هيئة دائرية، ويتوسطها معبد وقصر من طابقين يبلغ قطرهما نحو ٤٤،٤ مترا. وأحيطت القلعة بجدران سميكة من الطين واللبن، وعززت من الخارج بأبراج وأسوار دفاعية. ويظهر هذا البناء المعقد القائم على حسابات دقيقة أن المعماريين والعلماء القدماء كانوا يتمتعون بمستوى عال من المعرفة والخبرة.
ويعد الشكل الدائري لقلعة قوي قريلغان من أهم الأدلة على قيامها بوظيفة المرصد. فبحسب العلماء أتاح هذا الشكل إمكانية رصد حركة الأجرام السماوية بدقة، وتحديد شروق الشمس وغروبها، وتعاقب الفصول، ووضع نظام للتقويم. وكان المنجمون والعلماء الذين عملوا فيها ينشغلون بحساب الوقت، ودراسة قوانين الطبيعة، واستخلاص النتائج العلمية من خلال مراقبة الأجرام السماوية.
وقد أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على العديد من اللقى الأثرية داخل القلعة، منها الفخار والعملات والتماثيل والرسوم الجدارية والرموز المقدسة ونماذج من الكتابات. وتشهد هذه المكتشفات على وجود ثقافة متطورة وتقاليد دولية ونظام عقائدي متكامل في هذه المنطقة. ولا سيما أن أقدم نماذج الكتابة الخوارزمية عثر عليها في هذا الموقع، مما يؤكد أنه لم يكن مرصدا فحسب، بل كان أيضا مركزا علميا ومعرفيا.
وقد درست قلعة قوي قريلغان علميا خلال عامي ١٩٣٨–١٩٣٩ على يد البعثة الأثرية والإثنوغرافية لخوارزم بقيادة عالم الآثار الشهير س. ب. تولستوف. وأكدت نتائج البعثة أن هذا المعلم يعد من أقدم وأكمل المعالم المعمارية في آسيا الوسطى.
واليوم يتيح نموذج هذا الصرح القديم المعروض في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان للزائرين التعرف على إنجازات أجدادنا في مجالات علم الفلك والرياضيات والهندسة والعمارة، والاطلاع على قدراتهم الفكرية وتراثهم العلمي.
كما يؤكد هذا المعلم التاريخي المعماري مرة أخرى أن أرض أوزبكستان كانت أحد المراكز العلمية التي أسهمت إسهاما كبيرا في تطور الحضارة الإنسانية.
دردونة رسولوفا
ملاحظة يمكن نقل المقال ونشره مع رابط إلى الموقع الرسمي للمركز


