الوقائع الملونة لطريق الحرير العظيم يمكن القيام برحلة تفاعلية الى الماضي عبر جداريات أفراسياب
تعد جداريات أفراسياب المعروضة في قسم حضارات ما قبل الإسلام من معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان من أندر نماذج التراث الفني والثقافي في تاريخ الإنسانية. فهذه الرسوم الجدارية لا تعكس فقط الحياة الثقافية الرفيعة لسمرقند القديمة، بل تبرز أيضا مكانة آسيا الوسطى بوصفها مركزا للعلاقات الدولية. ويتيح عرضها اعتمادا على أحدث التقنيات العلمية والبصرية فهما عميقا لتاريخ حضارات ما قبل الإسلام وفنونها ورؤيتها للعالم.
وقد اكتشفت جداريات أفراسياب في موقع أفراسياب الأثري الذي يعد أقدم جزء من سمرقند، وهي تعود الى القرن ٧. وخلال الحفريات الأثرية تم العثور على العديد من المكتشفات التاريخية النادرة في هذا المكان. وكانت هذه الجداريات تزين جدران القصر الذي شيد في عهد سلالة الإخشيديين الذين حكموا سمرقند.
ومنذ القدم كانت سمرقند إحدى أهم محطات طريق الحرير العظيم، حيث أقيمت عبرها علاقات تجارية ودبلوماسية وثقافية مع الصين وإيران والهند وبيزنطة وغيرها من الدول. وكان التجار الصغديون من أبرز الوسطاء في هذه العملية. وابتداء من القرن ٤ أصبحت اللغة الصغدية لغة تواصل دولية في مناطق واسعة من آسيا الوسطى وعلى امتداد طريق الحرير.
وتجسد جداريات أفراسياب هذا المناخ المتعدد القوميات والثقافات تعبيرا فنيا واضحا، إذ تعكس بجلاء مكانة سمرقند كمركز سياسي وثقافي دولي. وتمتد الجداريات على الجدران الأربعة، ويصور كل جدار واقعا تاريخيا مختلفا.
ففي الجدار الشمالي تظهر وفود قادمة من الصين ونساء بملابس حمراء ومشاهد صيد، مما يدل على العلاقات الدبلوماسية والثقافية بين سمرقند والصين. أما الجدار الجنوبي فيصور سفراء من بلدان متعددة ومراسم القصر وربما مشاهد مرتبطة بعيد نوروز، وهو ما يقدم معلومات مهمة عن تقاليد الدولة وثقافة الاحتفالات. وفي الجدار الشرقي تظهر شخصيات تنتمي الى الثقافة الهلنستية والهندية إضافة الى حيوانات وتكوينات رمزية، في دلالة على تبادل المعارف العلمية والثقافية. أما الجدار الغربي فيجسد مراسم جلوس الحاكم الصغدي على العرش وزيارة سفراء من بلدان مختلفة حاملين الهدايا، وهو ما يعبر عن النفوذ السياسي والمكانة الدولية لسمرقند.
ومن خلال هذه الصور يمكن الحصول على معلومات قيمة عن أنماط اللباس والعادات والمراسم والرؤية الجمالية في ذلك العصر. ويشهد انسجام الألوان وكمال التكوين وحيوية الشخصيات على المهارة العالية لفناني القرن ٧، كما تكشف هذه الأعمال عن الفكر الفني والرؤية الحضارية للحضارة الصغدية.
كما تبين الجداريات انتشار الزرادشتية والتقاليد الثقافية المحلية في سمرقند وأرض صغد قبل الإسلام، إذ تعكس مشاهد الأعياد وطقوس القرابين والمراسم الملكية ثراء الحياة الروحية في المنطقة.
ويتم عرض الجداريات في المعرض بأساليب تفاعلية حديثة، حيث يمكن للزوار مقارنة الحالة القديمة بالأبيض والأسود مع الشكل الملون الأصلي عبر الشاشات. وعند لمس الشاشة تنبض بعض أجزاء الجدارية بالحياة، مما يتيح دراسة أعمق لهذا المعروض.
إن جداريات أفراسياب ليست مجرد رسوم جدارية، بل هي سجل فني لحوار الحضارات القديمة وتبادلها الثقافي ومسار تطور الإنسانية. فهي تجسد مكانة سمرقند كمركز على طريق الحرير العظيم، وازدهار الثقافة الصغدية، وإسهام آسيا الوسطى الكبير في الحضارة العالمية. ويتم تقديم مضمون هذه الجداريات وتكوينها في معرض مركز الحضارة الإسلامية بأسلوب مفهوم ومؤثر للجمهور الواسع بفضل التقنيات الحديثة.


