هل تعلم من هو العالم الاوزبكي الذي تعلمت منه اوروبا لمدة ٦٠٠ عام؟
الكتاب الذي ظل مرجعا اساسيا في جامعات اوروبا لمدة ٦٠٠ عام لم يؤلف في باريس او روما، بل وضع في ارض ما وراء النهر. واليوم تعرض النسخة الفاكسيميلية من هذه المخطوطة النادرة التي اسست لتطور الطب العالمي في قسم النهضة الاولى ضمن معرض مركز الحضارة الاسلامية في اوزبكستان.
من الصعب تصور ان اثرا ولد في القرن الحادي عشر في ارض ما وراء النهر ظل يدرس في جامعات اوروبا قرونا طويلة بوصفه الكتاب الاساسي. لكن هذه حقيقة تاريخية. فقد كان مؤلف العالم الموسوعي العظيم ابو علي ابن سينا «القانون في الطب» من اعظم المؤلفات التي اثرت بعمق ليس في طب الشرق فحسب بل في تطور الطب العالمي كله.
لم يكن هذا الكتاب مجرد دليل طبي، بل موسوعة ضخمة نظمت جسم الانسان واسباب الامراض وطرق التشخيص والعلاج في منظومة علمية منطقية متكاملة. وقد رفع ابن سينا الطب الى مرتبة علم مستقل يجمع بين النظرية والتجربة.
عبقرية نظمت العلم
يتكون «القانون في الطب» من خمسة كتب تناولت نظرية الطب واسس التشريح وعلم وظائف الاعضاء والامراض العامة وامراض الاعضاء والامراض المعدية وعلم السموم وقواعد تركيب الادوية المركبة بالتفصيل.
وصف في الكتاب اكثر من ٨٠٠ مادة دوائية، وصنف ما يزيد على ٧٦٠ دواء. والاهم من ذلك انه وضع مبادئ دقيقة للتشخيص، مؤكدا ضرورة تحليل المرض من خلال مجموع الاعراض والنظر الى المريض نظرة شمولية.
العديد من المفاهيم المعمول بها اليوم في الطب الحديث مثل الوقاية والملاحظة السريرية واخلاقيات المهنة وتجريب الادوية تجد اصولها في هذا العمل.
١٢٧٩: انفتاح الطريق الى اوروبا
كان لمدارس الترجمة دور حاسم في تقدم العلوم. ففي عام ١٢٧٩ ترجم العالم اليهودي ناتان ها مئاتي «القانون في الطب» كاملا الى اللغة العبرية، وكانت هذه الترجمة نقطة تحول في دخوله الوسط الفكري الاوروبي.
ثم نقل النص العبري الى اللاتينية، فاصبح «القانون في الطب» يدرس كتابا اساسيا في جامعات اوروبا المرموقة بين القرنين الثاني عشر والسابع عشر. وكان على طلاب كليات الطب ان يتقنوا موسوعة ابن سينا اولا.
وهذا يبين بوضوح مدى تأثير التراث العلمي الشرقي في تطور الحضارة الغربية.
ارث محفوظ في بولونيا
تعد المخطوطة المزخرفة المؤلفة من ٥٣٢ ورقة والتي كتبت في شمال ايطاليا في النصف الاول من القرن الخامس عشر من اشهر نسخ «القانون في الطب»، وهي محفوظة اليوم في مكتبة جامعة بولونيا.
تتكون هذه المجموعة من خمسة مجلدات وتمثل عملا فريدا من الناحية العلمية والفنية معا. زينت المخطوطة بمنمنمات دقيقة وهوامش مذهبة وزخارف نباتية، وصورت فيها مشاهد فحص النبض وتحليل البول والعمل في الصيدلية.
ولم يصفها عالم الخطوط الفرنسي برنار دو مونفكون بعبارة «Liber Avicennae elegantissimus» اي «افخر كتب ابن سينا» عبثا.
كما دخلت طبعة نابولي الصادرة بالعبرية عام ١٤٩١ التاريخ بوصفها من اقدم الطبعات المطبوعة، مما يدل على انتشار الكتاب في ثقافة المخطوطات والطباعة معا.
رحلة المخطوطة وعودتها
حتى اواخر القرن الثامن عشر كانت المخطوطة محفوظة في مكتبة دير القديس دومينيك في بولونيا. وفي عام ١٧٩٦ نقلت الى باريس مع مئات الاعمال النادرة على يد القوات الفرنسية، ثم اعيدت لاحقا الى ايطاليا وسلمت مجددا الى جامعة بولونيا.
هذه الرحلة التاريخية تؤكد ان التراث العلمي يتجاوز الحدود الوطنية ويعد قيمة انسانية مشتركة.
واليوم تعرض النسخة الفاكسيميلية من هذه المخطوطة النادرة في قسم النهضة الاولى ضمن معرض مركز الحضارة الاسلامية في اوزبكستان.
وهو حدث رمزي، اذ ان تراث ابن سينا تبلور في البيئة العلمية لآسيا الوسطى، حيث مهد علماء ما وراء النهر في عصر النهضة الاولى لنهضة عالمية في مجالات العلم والطب والفلسفة والثقافة.
ويظل «القانون في الطب» وترجمته العبرية رمزا للحوار العلمي بين الحضارات وتبادل المعارف والتعاون الثقافي.
لماذا ما زال معاصرا؟
لا تكمن قيمة عمل ابن سينا في اهميته التاريخية فحسب، بل في ما طرحه من مبادئ كالنظرة الشمولية لصحة الانسان والتكامل بين العلم والممارسة والمسؤولية الاخلاقية، وهي مبادئ ذات اهمية للنظام الطبي العالمي اليوم.
ومن هذا المنطلق فإن «القانون في الطب» ليس اثرا من الماضي فحسب، بل مصدر الهام للحاضر والاجيال القادمة، ولا يزال هذا التراث العلمي الذي ولد في ارض ما وراء النهر يخدم صحة الانسانية عبر القرون.
شاهنوزا رحمنوفا
يمكن نشر المقال مع الاشارة الى الموقع الرسمي للمركز


