تورونزامين جمع بين الثقافات والحضارات والاديان
تمثال بوذا، وصليب نصراني تعويذي، وآثار الزرادشتية ونماذج من العمارة الإسلامية — ليست أشياء متباعدة عن بعضها، بل هي طبقات تاريخية التقت في أرض واحدة. لقد تشكلت ما وراء النهر عبر القرون بوصفها منطقة عاشت فيها أديان وثقافات متعددة في سلام ووئام. وكان التسامح هنا ليس مجرد شعار، بل أسلوب حياة. واليوم يمكن مشاهدة هذا التاريخ متعدد الطبقات ضمن مفهوم متكامل في معروضات مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الذي أنشئ بمبادرة الرئيس شوكت ميرضيائيف ومن المتوقع افتتاحه في الأيام القريبة.
لقد تشكلت أرض أوزبكستان منذ العصور القديمة بوصفها ملتقى للحضارات. ففي هذه المنطقة تطورت شعوب وثقافات وأديان متعددة من خلال التفاعل المتبادل فيما بينها. وكان التسامح الديني أحد المبادئ المهمة التي أسهمت في تحديد مسار تطور المجتمع واحتل مكانة راسخة في التاريخ.
وقبل دخول الإسلام إلى هذه المنطقة كانت أديان مثل الزرادشتية والبوذية والمانوية والمسيحية (وخاصة النسطورية) واليهودية موجودة فيها. وعبر طريق الحرير العظيم لم تنتقل السلع فقط، بل انتشرت أيضا الأفكار والرؤى الفلسفية والتعاليم الدينية.
وقد سجلت المصادر التاريخية أن البوذية انتشرت من الهند عبر باختر إلى سغديانة ثم إلى الصين.
كما تؤكد آثار فياض تيبه وقارا تيبه بالقرب من ترمذ وجود مراكز بوذية في هذه المنطقة. ويعد مسجد ماغوكي عطاري في بخارى مثالا بارزا على ترابط الطبقات الدينية المختلفة.
وخلال عهدي سغد وخاقانية الترك عاش أتباع المعتقدات المختلفة في مجتمع واحد بسلام ووئام. وحتى في عهد الأمير تيمور تشير المصادر التاريخية إلى أن ممثلين عن ديانات مختلفة كانوا يخدمون في جيشه. ورغم انتشار الإسلام على نطاق واسع بعد الفتح العربي، فإن التقاليد المحلية امتزجت بالقيم الدينية الجديدة.
وخلال عصر النهضة الأولى في القرون ٩–١٢ أصبح ترجمة التراث العلمي اليوناني والروماني القديم إلى اللغة العربية تعبيرا واضحا عن مناخ الانفتاح العلمي والتسامح الثقافي. وقد أعطت هذه العملية دفعة قوية لتطور العلوم، وحولت المنطقة إلى أحد المراكز العلمية للحضارة العالمية.
واليوم تعرض هذه العمليات التاريخية ضمن مفهوم متكامل في متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. ويكشف “جدار الحضارات والاكتشافات” في المركز التطور التاريخي من العصور السابقة للإسلام وصولا إلى مرحلتي النهضة الأولى والثانية.
وتحتل في هذه المعروضات القطع البرونزية والحجرية المرتبطة بالمسيحية والبوذية وغيرها من المعتقدات مكانة خاصة. فزخارف الأحزمة المسيحية والصلبان التعويذية العائدة إلى القرون ٨–١٢ تدل على عقيدة المجتمعات المسيحية في ذلك العصر ومستوى حرفيتهم. أما تمثال بوذا العائد إلى القرنين ٩–١٠ فيؤكد وجود تأثير للبوذية في المنطقة.
كما تبين شواهد القبور المسيحية العائدة إلى القرون ١٢–١٤ أن المجتمعات المسيحية كانت نشطة في هذه الأرض لفترة طويلة.
ومعظم هذه المعروضات عبارة عن قطع أثرية أصلية نادرة أعيدت إلى الوطن بمبادرة رئيسنا، وهي نتيجة عملية لسياسة استعادة التراث الثقافي.
عبيدجون تنغيروف، كبير الباحثين في المركز:
إن الخلاصة الأساسية التي تقدمها المعروضات هي أن ما وراء النهر كانت منذ القدم أرضا تعايشت فيها أديان وثقافات مختلفة في سلام. ومع تطور الحضارة الإسلامية توفرت أيضا الظروف لأتباع المعتقدات الأخرى ليعيشوا حياة حرة، وهو ما تؤكده المصادر التاريخية والأدلة المادية.
واليوم تذكر هذه المعروضات الفريدة ليس فقط أبناء أوزبكستان، بل أيضا الضيوف القادمين من جميع أنحاء العالم بحقيقة واحدة: إن التسامح ليس قيمة حديثة، بل هو فلسفة حياة تشكلت عبر القرون وصقلت في أرض ما وراء النهر.
وهكذا فإن تاريخ ما وراء النهر يؤكد حقيقة واحدة: إن انسجام الأديان والثقافات المختلفة كان عاملا أساسيا في تطور هذه الأرض. وهذه التقاليد لم تفقد أهميتها حتى اليوم.
شاهنوزا رحمنوفا
ملاحظة: يمكن نشر المقال على الموقع الرسمي للمركز مع إرفاق الرابط


