يتم عرض لباس حريري نادر عمره ٩٠٠ عام
بعد أن نجا هذا الرداء الحريري النادر من تقلبات ما يقرب من تسعة قرون ووصل إلينا حتى اليوم، يتم عرضه حاليا في قسم النهضة الأولى ضمن معروضات مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الذي أُنشئ على أساس فكرة الرئيس شوكت ميرضيائيف، وهو مركز فريد لا نظير له في العالم. وينتمي هذا الرداء إلى القرن ١٢، وهو لا يمثل فقط نموذجا رفيعا لفن النسيج، بل يعد أيضا تعبيرا واضحا عن تقاليد الدولة والثقافة الدبلوماسية والفكر الجمالي الذي تشكل في آسيا الوسطى.
ويرتبط هذا الخَلعَة بعهد الدولة السلجوقية، ولم يكن مجرد لباس احتفالي عادي، بل صُمم بوصفه رمزا للسلطة والمكانة. وقد كان السلاجقة من سلالة القبائل التركية التي خرجت من منطقة ما وراء النهر وأسست إمبراطورية قوية. وتميزت ثقافة البلاط لديهم بالرقي والدلالات الرمزية والسمو الفني، وهذا الرداء المعروض يعد نتاجا لتلك البيئة الثقافية الرفيعة.
اللباس ذو ياقة مستديرة وأكمام طويلة وقصّة واسعة. وقد نُسج قماشه بتقنية لامباس المعقدة، مستخدما مزيجا من الخيوط الحمراء والزرقاء والذهبية. وتضفي صور الثيران المزدوجة والغريفونات على القماش طابعا احتفاليا مهيبا. وترمز هذه الأشكال إلى القوة والازدهار وحماية الحاكم.
وتحيط بالرسوم كتابة بالخط الكوفي تحمل معنى «البركة الكاملة». وتشير هذه العبارة إلى أن الرداء صُنع بأمر الحاكم تكريما لشخص ما وقُدم بوصفه هدية. ولم تكن هذه المنسوجات مجرد زينة، بل كانت تحمل أيضا دلالات سياسية وروحية.
وكما أكد الأكاديمي أكبر حكيموف فإن الزخرفة النسيجية في آسيا الوسطى لم تكن تعبيرا عن الجمال فحسب، بل ارتقت إلى مستوى رمز من رموز الدولة. فقد كان الفن هنا وسيلة لترسيخ السلطة والقيمة الثقافية. ووفقا لدراسات المؤرخ وعالم الآثار إدوارد رتفلادزه والمؤرخ الفني أوليغ غرابار، فإن ثقافة النسيج السلجوقية كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بتقاليد المراكز القديمة مثل سمرقند وبلخ، حيث كان القماش يعد بمثابة التاج الثاني للحاكم.
وترمز صور الغريفونات والثيران المزدوجة إلى الانسجام بين قوة الأرض والحماية الإلهية. ومن المحتمل أن يكون هذا الحرير الفاخر المنسوج بتقنية لامباس قد صُنع في ورش ما وراء النهر أو خراسان. وكما أشارت الباحثة الأمريكية في تاريخ الفن شيلا بلير، فإن الأزياء الحريرية المزينة بعبارات تدل على البركة كانت رمزا للاعتراف الدبلوماسي والاحترام الشخصي. ولذلك كان مثل هذا الرداء يُلبس من قبل الأمراء والوزراء وولاة العهد، وكان يعبر في الشرق الإسلامي عن صفة «الحاكم الكامل».
وتعد الأزياء الكاملة المحفوظة من القرن ١٢ نادرة للغاية. ولهذا فإن هذا الأثر الفريد يحمل أهمية استثنائية ليس فقط لآسيا الوسطى، بل لتاريخ الفن الإسلامي بأسره. ويرتبط هذا الرداء بأرض توران — الفضاء الثقافي لأوزبكستان اليوم — ويجسد تلاقي تقاليد النسيج الرفيعة وثقافة الدولة والذوق الجمالي.
إن هذا الرداء الحريري شاهد حي على عظمة الماضي وإرثه الروحي، وتحفة فريدة يلتقي فيها التاريخ والفن.
غوزال بيكنزاروفا
ملاحظة: يمكن نشر المقال من خلال نقله مع إرفاق رابط الموقع الرسمي للمركز


