قطعة أثرية نادرة في المعرض حفظت أسرار البلاط في عهد الدولة البابرية
قد يبدو هذا الأثر الذي ترونه في الصورة للوهلة الأولى كإناء نحاسي قديم. ولكن في الحقيقة يأخذنا إلى بلاط الدولة البابرية في القرن ١٧ — إلى أجواء كانت تعج بالموسيقى، وتنبض بمشاهد الصيد، وتُقدَّم فيها الهدايا إلى الحاكم في لحظات احتفالية مهيبة. هذا الإناء الضخم الذي تجسد على سطحه مشاهد الصيادين والموسيقيين وأولئك الذين يحملون الهدايا إلى الحاكم يعد من أندر وأعمق نماذج فن البلاط في عهد الدولة البابرية.
وقد نشأ هذا العمل الفني في روح التقاليد الفنية التي تشكلت في عهد الإمبراطور العظيم أكبر الأول، أحد أقوى حكام الدولة البابرية الذي خلد اسمه في التاريخ بوصفه راعيا كبيرا للعلم والفن. ويقيّم الباحثون فترة حكم أكبر شاه على أنها المرحلة التي تشكل فيها ما يسمى في فن الدولة البابرية بـ"الأسلوب العظيم". ففي ذلك الوقت ارتقت المصنوعات المعدنية من مجرد أدوات عملية إلى مستوى الفن الرمزي الذي يعبر عن قوة الإمبراطورية وأيديولوجيتها.
هذا الإناء النحاسي المؤرخ بسنة ١٦٧٠ صنع بمهارة عالية في ورش البلاط البابرية، حيث استمرت فيه التقاليد الفنية التي تشكلت في العصر التيموري.
وقد نفذ زخرف الإناء في تركيب فني ثلاثي الطبقات. ففي الجزء العلوي تظهر كتابات بخط نستعليق بديع مرتبطة بالشعر والنصوص الفلسفية. أما في الأجزاء السفلى فتصور مشاهد الصيد والمسيرات الاحتفالية وتقديم الهدايا إلى الحاكم، وهي تعبر عن أفكار السخاء الملكي والرخاء والقوة اللامحدودة. وتكشف هذه الصور عن الطبيعة الاحتفالية والفكرية للحياة في بلاط الدولة البابرية.
وتكمن ندرة هذا الأثر في موضوعه وفي درجة حفظه. فالأواني النحاسية التي تحمل مثل هذه التراكيب الفنية المعقدة نادرة للغاية. والأهم من ذلك أن هذه القطعة أصلية، وقد أعيدت إلى وطننا من الخارج نتيجة للأعمال البحثية التي جرت في إطار مبادرات رئيسنا الرامية إلى البحث عن القطع النادرة من تراثنا الثقافي التي خرجت إلى الخارج في فترات سابقة وإعادتها إلى الوطن.
كما أن الطبقة الطبيعية التي تشكلت على سطح الإناء والتغيرات اللونية الناتجة عن مرور الزمن وتقنية التنفيذ تؤكد أنه ليس إعادة بناء صناعية، بل شاهد تاريخي حقيقي وصل إلينا عبر القرون.
ووفقا للمصادر التاريخية كانت مثل هذه الأواني تستخدم في بلاط الدولة البابرية خلال المراسم الاحتفالية والاستقبالات الرسمية رفيعة المستوى، حيث كانت تمثل رمزا للوفرة والرعاية الإلهية واستقرار الدولة في حضرة الحاكم.
واليوم تحفظ هذه القطعة الثمينة في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الذي أنشئ بمبادرة رئيس جمهورية أوزبكستان، وذلك في قسم عهد الدولة البابرية ضمن معرض النهضة الثانية. وهنا يقدم الإناء ليس فقط كقطعة متحفية، بل كتراث نادر يبرز الترابط التاريخي والثقافي والفني بين حضارات آسيا الوسطى والهند.
إن هذا الإناء النحاسي حكاية صامتة لكنها قوية تربط الماضي بالحاضر. ففيه يلتقي الفن والسياسة والفكر ليجسد عظمة الإمبراطورية البابرية وينقلها إلى الأجيال المعاصرة دون كلمات. ومن خلال مثل هذه الآثار الأصيلة والنادرة لا يُدرس التاريخ فحسب، بل يُكتشف من جديد.
ليلى عبد القهاروفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز


