ذا كوريا تايمز: النهضة الثالثة - دور مركز الحضارة الإسلامية في النهوض المعنوي والفكري لأوزبكستان الجديدة
في المقال المنشور في ذا كوريا تايمز يتم تفسير مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان كجزء مهم من استراتيجية التنمية المعنوية والفكرية لأوزبكستان الجديدة. ويؤكد فيه أن هذا المجمع يعد فضاءً فكريًا معاصرًا يجسد الجوهر الإنساني والتنويري للحضارة الإسلامية، كما يسهم في تطوير الحوار الثقافي العالمي والتعاون العلمي.
تُظهر لنا تاريخ البشرية أن أي نهضة عظيمة تستند إلى أسس فكرية وروحية. واليوم يبرز من قلب آسيا الوسطى مشروع يجذب أنظار العالم بحجمه وأهميته — إن مركز الحضارة الإسلامية ليس مجرد منشأة معمارية، بل هو جسر فكري يربط ماضي المنطقة بحاضرها ومستقبلها.
وقد استقطب المجمع بالفعل اهتمام أبرز وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، حيث تم الاعتراف به كأحد أهم المشاريع الثقافية في أوزبكستان الجديدة.
وقد وُضع أساس المشروع في عام ٢٠١٧ من خلال مبادرة طرحها رئيس أوزبكستان شوكت ميرضيائيف خلال الدورة ٧٢ للجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي ذلك الوقت شددت قيادة أوزبكستان على ضرورة إظهار الجوهر الحقيقي للإسلام القائم على المعرفة والسلام والبناء. ولم يكن ذلك مجرد بيان سياسي، بل برنامجًا للعودة إلى أرض كانت عبر القرون مهدًا للعلم والثقافة.
ويأتي ظهور هذا المشروع الضخم متوافقًا مع الحاجة إلى تجديد روحي عالمي. ففي وقت تنتشر فيه الإسلاموفوبيا والتطرف في مناطق مختلفة من العالم، قدمت أوزبكستان نموذجًا لمواجهة هذه التحديات من خلال العلم والتعليم.
واليوم تجسدت هذه الفكرة في مجمع مهيب يقع في المركز التاريخي لمدينة طشقند على مساحة عشرة هكتارات. ويعبر القبة الزرقاء التي يبلغ ارتفاعها ٦٥ مترًا والأبواب الأربعة الذهبية عن وحدة جميع مناطق أوزبكستان. وقد تم في كل جزء من المبنى الجمع بين تقاليد العمارة التيمورية في القرن الخامس عشر والتقنيات الحديثة.
مركز الحضارة الإسلامية هو مجمع ثقافي كبير يقع في مدينة طشقند بالقرب من مجمع حست إمام.
يجسد المركز التوازن بين الدين والعلم. ويستحضر عموده الرئيسي عمارة مدرسة ميرزا أولوغ بيك، وهو مزين بالكلمة الأولى من القرآن الكريم "اقرأ"، بما يدل على أن طلب العلم هو أسمى واجب روحي لكل إنسان.
أما الجزء المركزي من المعرض فهو مصحف عثمان الذي يعود إلى القرن السابع، وهو من الآثار المقدسة النادرة المدرجة في سجل ذاكرة العالم لدى اليونسكو.
وتتميز عمارة المجمع ليس فقط بعظمتها، بل أيضًا بتوافقها الكامل مع متطلبات التخطيط الحضري الحديث والاستدامة البيئية. فقد تم تنفيذ كل عنصر من المشروع — من الأساس حتى القبة — باحترام عميق للتراث التاريخي مع مراعاة الاستخدام طويل الأمد. كما أن المساحات المحيطة المُنسقة حولته إلى فضاء ثقافي ومعرفي واسع، وليس مجرد مركز علمي.
وتختلف معروضات المركز جذريًا عن المتاحف التقليدية. فقد تم بناؤها على أساس مبدأ "الحضارة — الشخصيات — الاكتشافات" الذي طرحه شوكت ميرضيائيف، حيث لا تقتصر على عرض الحقائق التاريخية، بل تُدخل الزائر في بيئة فكرية حية. وتغطي المعروضات فترة ما قبل الإسلام، وعصر النهضة الأول والثاني، ومرحلة أوزبكستان الجديدة، مما يشكل أساس النهضة الثالثة.
ويعرض قسم "جدار الحضارات والاكتشافات" تطور الفكر الإنساني كعملية مستمرة، حيث يبين ارتباط إنجازات علماء كبار مثل الخوارزمي، الفرغاني، ابن سينا، البيروني، وميرزا أولوغ بيك بالتقنيات الحديثة.
وبفضل تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والهولوغرامات والذكاء الاصطناعي، يتم “إحياء” مخطوطات القرن التاسع، كما تُعاد نمذجة المراصد القديمة رقميًا.
وهذا التكامل الرقمي الواسع يحول المركز إلى متحف المستقبل، حيث لا يكتفي الزائر بالحصول على المعلومات، بل يمكنه التفاعل افتراضيًا مع العلماء والمشاركة في تجاربهم.
كما تثير "مختبر ١٠٠١ اختراع" المخصص للأطفال اهتمامهم المبكر بالهندسة والعلوم الطبيعية، مما يحول المركز من مستودع للمعرفة إلى منصة تعليمية تفاعلية تسهم في تطوير القدرات الفكرية للأمة.
وقد أكد الرئيس شوكت ميرضيائيف مرارًا أن القوة الحقيقية للأمة تكمن في ذاكرتها وجذورها الثقافية، ووجّه بإثراء المعروضات بالتراث الوطني وإعادة الآثار النادرة إلى الوطن.
وفي هذا الإطار، أُجريت أبحاث واسعة بقيادة مدير مركز الحضارة الإسلامية فردوس عبد الخالقوف بمشاركة وفود من العلماء. وخلال السنوات الأخيرة تم إقامة تعاون مع دور المزادات العالمية وجامعي التحف.
ونتيجة لذلك، أُعيد إلى أوزبكستان أكثر من ألف مخطوطة وقطعة أثرية نادرة، كما أُضيفت أعمال قيّمة من ما وراء النهر وخراسان إلى مجموعات المركز.
كما أتاحت البعثات العلمية والجهود الدبلوماسية إعداد نسخ فaksimile من المخطوطات المحفوظة في متاحف ومكتبات العالم، مما يبرز أن التراث الثقافي للشعب الأوزبكي هو جزء لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية والعالمية.
ولا يعد المركز مجرد متحف، بل منصة علمية وتعليمية نشطة، تضم مكتبة تحتوي على أكثر من ٢٠٠ ألف كتاب، ومختبرات للترميم، ومدرسة للخط، وأرشيفات رقمية، إضافة إلى وجود عدد من المنظمات الدولية المرموقة.
وقد شارك في المشروع أكثر من ١٥٠٠ متخصص من أكثر من ٤٠ دولة، وقيّمه الخبراء الدوليون كمتحف من الجيل الجديد وبنية علمية ومركز للتعاون العالمي.
ووصف رئيس فنلندا ألكسندر ستوب المركز بأنه مركز فكري للعالم المعاصر، وقارنه ببيت الحكمة وأكاديمية المأمون ومدرسة ميرزا أولوغ بيك.
كما أصبحت فعالية "آسيا الوسطى: التراث الروحي والمعرفي المشترك — المستقبل المشترك" التي أقيمت بمشاركة رؤساء خمس دول رمزًا للوحدة الإقليمية.
وفي شهر فبراير من هذا العام، أدرجت لجنة "بريكس فرساي" الدولية في باريس مركز الحضارة الإسلامية ضمن قائمة "أجمل متاحف العالم" لعام ٢٠٢٦.
كما حظي المركز بإشادة في مجلات مرموقة مثل "سميثسونيان"، “بي بي سي ترافل"، "بي بي سي هيستوري" و"ناشيونال جيوغرافيك".
وتسهم هذه الاعترافات في تعزيز الإمكانات العلمية والسياحية للمركز، مما يجعله وجهة عالمية مهمة.
وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن افتتاح المركز مع شهر رمضان المبارك. فقد وُضع حجر الأساس لهذا المشروع في هذا الشهر عام ٢٠١٨. وبعد مرور ثمانية أعوام، يفتح مركز الحضارة الإسلامية أبوابه ليصبح رمزًا للحفاظ على التراث الروحي للأجيال القادمة.






