Condé Nast Traveller: مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان — أصبح معلمًا جديدًا يرمز إلى الثقافة الأوزبكية
Condé Nast Traveller Middle East نشرت مقالًا عن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. وأشارت المقالة إلى أن مركز الحضارة الإسلامية الذي افتتح في طشقند يظهر كرمز ثقافي جديد لأوزبكستان، ويسهم في إعادة تحديد مكانة المدينة على الخريطة الثقافية العالمية. كما قيّمت المقالة هذا المجمع باعتباره فضاءً معرفيًا فريدًا يربط بين الماضي والمستقبل من خلال الجمع بين التراث التاريخي والعمارة الحديثة والتقنيات المتقدمة.
عند السير على طول شارع زرقينار عبر الحي القديم في طشقند، يبدو وكأن زمنًا آخر قد عاد إلى الحياة. الشوارع محاطة بجدران من الطوب الطيني، وصوت أعمال الترميم يملأ الأجواء: يقوم البناؤون بتحويل المنازل التي كانت مهجورة إلى مقاهٍ وفنادق. وقد اكتملت بعض هذه التحولات بالفعل: بيت الحرفيين أوخون غوزار يقع الآن في مسجد أعيد ترميمه يعود إلى القرن ١٨، بينما يذكّر فندق فاروفون البوتيكي بمدرسة قديمة — حيث تظهر الشرفات المقوسة المزخرفة وأنماط الرمان في السجاد واللوحات الجدارية والأواني الخزفية والخشب المنحوت. وفي الجوار، من المتوقع افتتاح مركز الفن المعاصر قريبًا، والذي يهدف إلى تحويل بعض هذه المناطق التاريخية إلى إقامات فنية لتعزيز التعاون العالمي متعدد التخصصات والثقافات.
إن افتتاح مركز الحضارة الإسلامية الجديد الضخم، الذي شُيّد على مساحة ١٠ هكتارات بجوار مجمع حضرتي إمام، يبدو كبيان واضح: وكأن طشقند تسعى إلى إعادة تحديد موقعها على الخريطة الثقافية العالمية.
لا يمكن تجاهله: قبته المزينة بالفسيفساء الزرقاء وقمته المطلية بالذهب تُرى حتى من شوارع زرقينار الضيقة. وعند الاقتراب، تظهر أربعة بوابات ضخمة يبلغ ارتفاع كل منها نحو ٣٤ مترًا. وهي مكرسة لمراكز العلم التاريخية مثل سمرقند وبخارى وقوقند وخوارزم، وتعمل كبوابات رمزية لمنطقة كانت يومًا ملتقى للإمبراطوريات والأفكار.
قاعة الشرف في مركز الحضارة الإسلامية
تبدأ الرحلة من قاعة “معرض الشخصيات العظيمة” — حيث تقع ١٤ لوحة فسيفسائية داخل محاريب مقوسة في مدخل واسع وعالٍ. وهي تصور شخصيات وأحداثًا مهمة في التراث العلمي لآسيا الوسطى. أسماء مثل ابن سينا، والخوارزمي، والبيروني، والفارابي، التي كانت مشهورة في العالم الإسلامي، تُعاد اليوم إلى مكانتها. وتوجد تحت كل لوحة شاشات تفاعلية تقدم معلومات بتسع لغات.
ينفتح المركز عبر أربع قاعات عرض رئيسية: ما قبل الإسلام، النهضة الأولى، النهضة الثانية، و«أوزبكستان الجديدة».
تأخذ قاعة ما قبل الإسلام الزائر إلى عصور أقدم مما هو متوقع. تشير الأدوات الحجرية المكتشفة في موقع أوبي رحمت إلى أن البشر عاشوا في هذه المنطقة قبل نحو ٨٠ ألف عام، بينما تدل الحلي الذهبية من باكتريا على ثقافة مزدهرة قبل الإسلام. وتلعب التفاعلية دورًا مهمًا هنا: أعيدت نقوش نوروتا الصخرية رقميًا، وعُرضت كتابات الأفستا واليونانية-الباخترية والتركية القديمة والخوارزمية على شاشات حساسة، حيث يمكن للزوار تحويل كلماتهم إلى أبجديات قديمة.
تعرض قاعة النهضة الأولى انتشار الإسلام وتطوره في آسيا الوسطى خلال القرنين ٨–١٣. وتغلب على تصميمها الألوان الرملية والبيج. ويُعرض فيها نسخ من كتاب «الجامع الصحيح» للإمام البخاري، إلى جانب مؤلفات فلسفية مثل «آراء أهل المدينة الفاضلة» للفارابي. كما تُعيد مشاهد بيت الحكمة إحياء حياة العلماء، بينما يُبرز عصر المأمون في خوارزم تأثير علماء مثل ابن سينا والبيروني في العلوم العالمية.
ومن أبرز المعروضات قطعة من كسوة الكعبة صُنعت عام ١٨٥٩ في عهد السلطان العثماني عبد المجيد. كما تُعرض نسخة من باب الكعبة الذهبي ومفاتيح مكة من العصر المملوكي.
أما قاعة النهضة الثانية فهي مخصصة لعصر التيموريين في القرنين ١٤–١٦، حيث تحولت سمرقند وهراة وشهرسبز إلى مراكز علمية وثقافية. وتسيطر الألوان الزرقاء واللازوردية المستوحاة من قبب التيموريين على التصميم الداخلي. وتضم القاعة خريطة تفاعلية لإمبراطورية أمير تيمور، وجدارًا رقميًا لدراسة «تُزُك تيمور»، ونموذجًا لمرصد ميرزا أولوغ بيك، وتركيبًا سقفيًا يعرض كتالوج النجوم «زيج كوراغوني».
قاعة القرآن في مركز الحضارة الإسلامية تحت القبة الزرقاء
في قلب المركز، تحت القبة الزرقاء الضخمة، يوجد أهم معروض — مصحف عثمان العائد إلى القرن ٧. ويُعد من أقدم نسخ القرآن في العالم، وهو مدرج ضمن سجل «ذاكرة العالم» لليونسكو. وفوقه تتلألأ ثريا تزن ٥٠ طنًا مزينة بنحو ١٫٦ مليون بلورة سواروفسكي. وتحيط به سجاد حريرية منسوجة بآيات قرآنية. ووفقًا للروايات، لا تزال آثار دم الخليفة عثمان موجودة على هذا المصحف.
أما القاعة الأخيرة فهي مكرسة للحداثة والمستقبل، حيث تسلط الضوء على قضايا مثل كرامة الإنسان والتعليم والحوار بين الأديان والوعي البيئي ضمن إطار «النهضة الثالثة». ويحل الزجاج والضوء والتصميم الخفيف محل الأساليب التقليدية.
تلعب التكنولوجيا دورًا أساسيًا: شاشات OLED وأجهزة الواقع الافتراضي ومسارح LED تضفي حيوية على الزيارة. ويضم المركز تركيب «شجرة المحلة» الذي يرمز إلى نحو ١٤ ألف محلة في أنحاء أوزبكستان. كما تُعرض أفلام قصيرة عن الشباب والفنانين ورواد الأعمال، مجسدة فكرة المستقبل المشترك.
هذا المركز، الذي يتطلب ٣–٤ ساعات لاستكشافه بالكامل، ليس مجرد محطة عابرة، بل وجهة مستقلة بحد ذاته. كما يضيف معنى جديدًا لفهم معالم سمرقند وبخارى.
أما بالنسبة لمن يبدأون رحلتهم من طشقند، فإنه يمنحهم سببًا للبقاء لفترة أطول في المدينة. فهذه المدينة، التي كانت معروفة بحداثتها السوفيتية ومبانيها الضخمة، تكتسب اليوم هوية جديدة تجمع بين الحفظ والتجديد — وربما يكون هذا أعظم إنجازاتها.






