Diplomatic Society: «إرث أمير تيمور في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان — الأساس الفكري للنهضة الثالثة»
نشرت مجلة «Diplomatic Society» المرموقة مقالا مخصصا لفعالية الذكرى ٦٩٠ لميلاد رجل الدولة والقائد العظيم وراعي العلم والثقافة أمير تيمور التي أقيمت بمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان بتاريخ ٩ أبريل ٢٠٢٦. ويتناول المقال مكانة إرث أمير تيمور في تاريخ العالم من خلال مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وآثار التيموريين في العلم والثقافة، وأهمية المركز على المستويين الإقليمي والعالمي، كما يسلط الضوء على دوره في التنمية المعرفية والثقافية.
بمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف يتم الاحتفال على نطاق واسع في البلاد بالذكرى ٦٩٠ لميلاد أمير تيمور في ٩ أبريل ٢٠٢٦.
ويظهر تاريخ البشرية أن الحضارات العظيمة تتشكل على أساس التوافق بين الإنجازات الفكرية والقيم الروحية والتراث الثقافي. وكانت آسيا الوسطى عبر التاريخ مركزا للعلم والفن والفلسفة وأسهمت في تطور الحضارة العالمية.
واليوم يتجسد هذا الإمكان في مشروع كبير مثل مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. فهذا المركز لا يحفظ التراث التاريخي فحسب، بل يؤدي أيضا دور منصة حية للعلم والتعليم والتطور الروحي.
وقد أُنشئ هذا المركز بناء على الفكرة المؤلفة لرئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، ليبرهن أن القيم الروحية والمعرفية يمكن أن تكون أساسا متينا للنهضة الوطنية والتعاون الدولي. ويزوره علماء وسياح وممثلون عن المجتمع من مختلف أنحاء العالم.
ويحتل أمير تيمور مكانة خاصة في تاريخ العالم باعتباره رجل دولة عظيما وقائدا ومؤسس واحدة من أكبر الإمبراطوريات في عصره. وفي أواخر القرن الرابع عشر وبدايات القرن الخامس عشر، وهي فترة اتسمت بتحولات سياسية عميقة، تمكن من توحيد أراض واسعة من الهند إلى الشرق الأوسط وأقام نظام دولة قوي.
وكانت الدبلوماسية تحتل مكانة خاصة في سياسته، إذ أقام علاقات مع دول أوروبية مثل فرنسا وإنجلترا وقشتالة.
وفي عام ١٤٠٤ أشار السفير الإسباني روي غونزاليس دي كلافيخو، الذي زار سمرقند، إلى ارتفاع مستوى إدارة الدولة وتطور البنية التحتية والاحترام الكبير الممنوح للمبعوثين الأجانب. كما وضع أمير تيمور أساسا قانونيا متكاملا لدولته. ووفقا لـ «تُزوكات تيمور» كان نظام الدولة يقوم على أربعة أركان: المشورة والمشاورة والتخطيط الدقيق والحزم. وقد تم حل تسعة أعشار الأمور بالحكمة والتدبير، بينما تم تنفيذ جزء واحد فقط بالقوة، مما يدل على أن العدل والتوازن كانا أساس الحكم.
وبعد وفاته واصل خلفاؤه من التيموريين تطوير الدولة وأولوا اهتماما كبيرا بالعلم والثقافة والتعليم، مما أدى إلى دخول هذه الفترة التاريخ كنهضة شرقية ثانية.
ومن بين التيموريين يبرز ميرزا أولوغبيك، الذي كان عالما عظيما وفلكيا ورجل دولة، حيث حول سمرقند إلى مركز علمي بارز. وفي عشرينيات القرن الخامس عشر تم بناء مرصد أولوغبيك، الذي كان من أكثر المنشآت العلمية تقدما في ذلك العصر، وفيه أُلف كتاب «زيج سلطاني» الذي حُددت فيه إحداثيات أكثر من ١٠٠٠ نجم بدقة.
واليوم ينعكس تراث التيموريين في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، حيث تُعرض مقتنيات فريدة تعكس الغنى الثقافي والروحي لتلك الحقبة. ومن بينها صفحة من «قرآن بايسنغر» الذي نسخه الخطاط عمر أقطة لأمير تيمور، ويعد نموذجا فنيا مميزا بخطه الدقيق وانسياب حبره.
كما يكتسب اللباس التعويذي من العصر البابري أهمية خاصة، إذ صُنع من قماش قطني سميك ونقشت عليه آيات من القرآن الكريم وكلمة الشهادة وأسماء الله الحسنى الـ ٩٩، وعلى ظهره الآية «الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين» (سورة يوسف ١٢:٦٤).
ولا يعد مركز الحضارة الإسلامية متحفا فحسب، بل هو أيضا فضاء تعليمي حديث، حيث يجمع تصميمه المعماري بين التقاليد التيمورية والتقنيات المعاصرة، ويعبر قبته التي يبلغ ارتفاعها ٦٥ مترا وبواباته المهيبة عن وحدة مناطق البلاد.
وقد بُنيت معارض المركز على مبدأ «الحضارات — الشخصيات — الاكتشافات»، لتغطي المراحل التاريخية من ما قبل الإسلام إلى أوزبكستان الجديدة، حيث تُعرض الأحداث التاريخية بشكل حي من خلال تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والهولوغرام والذكاء الاصطناعي.
ويضم المركز مختبرات تفاعلية ومتحف «١٠٠١ اختراع» للأطفال وأكثر من ٢٥٠٠ مخطوطة ومطبوعات حجرية ومكتبة تحتوي على أكثر من ٤٠٠٠٠ كتاب وأكثر من ٣٥٠٠٠٠ مورد رقمي، إضافة إلى مدرسة للخط والفنون التقليدية وممثليات لمنظمات دولية.
وقد حول هذا النهج المركز إلى جسر حي يربط بين النهضات التاريخية والنهضة الثالثة.
وفي ٩ أبريل يتم الاحتفال على نطاق واسع بالذكرى ٦٩٠ لميلاد أمير تيمور، وهي مناسبة تعكس الاحترام للتاريخ وتعزز الهوية الوطنية وتسهم في تطوير الإمكانات العلمية والدبلوماسية الثقافية.
وفي إطار هذه الفعاليات يتحول مركز الحضارة الإسلامية إلى منصة للحوار الدولي، حيث يُعقد في يومي ٩–١٠ أبريل مؤتمر علمي دولي بمشاركة أكثر من ٣٠٠ عالم وخبير من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا الشمالية.
وتهدف هذه الفعالية إلى دراسة مكانة أمير تيمور والحضارة التيمورية في تاريخ العالم وتعزيز التعاون العلمي والثقافي الدولي.
واليوم أصبح مركز الحضارة الإسلامية محركا للتنمية الفكرية والثقافية في المنطقة، مسهما في توحيد البشرية نحو السلام والوئام والتقدم، ويعبر شعاره الرئيسي عن هذه الرسالة: «اقرأ باسم ربك الذي خلق…»






