Islamicity: «المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية الذي عقد في أوزبكستان»
بحسب ما نشرته Islamicity، فقد اعتبر المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي استضافته أوزبكستان لأول مرة، مبادرة مهمة تهدف إلى التعريف على المستوى الدولي بالتراث الغني للحضارة الإسلامية القائم على الإنسانية والعلم والتسامح. وأشار التقرير إلى أن المنتدى يرتبط ارتباطا وثيقا برؤية أوزبكستان لـ«النهضة الثالثة»، ومبادرة «التنوير في مواجهة الجهل»، والسياسة الرامية إلى المواءمة بين التراث التاريخي والعلوم الحديثة والتعاون الدولي. كما أوضح أن الفعاليات التي أقيمت في طشقند وسمرقند وترمذ فتحت آفاقا جديدة للتعاون الدولي من أجل تعزيز الحوار العالمي، وصون التراث الإسلامي، ونقله إلى الأجيال القادمة.
وفي وقت يشهد فيه العالم تسارعا غير مسبوق في التطورات التكنولوجية وتصاعدا في التوترات الجيوسياسية، احتضنت أوزبكستان هذا الحدث التاريخي. فقد شكل المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي عقد خلال الفترة من ٧ إلى ١١ يوليو ٢٠٢٦، محطة مهمة دشنت مرحلة جديدة في مسيرة الحوار العالمي بين الحضارات والثقافات المختلفة.
وشارك في هذا المنتدى المرموق، الذي استضافه مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، نخبة من العلماء وممثلي المنظمات الدولية وكبار المسؤولين والشخصيات العامة من أكثر من أربعين دولة. كما أن تنظيم المنتدى في مدن طشقند وسمرقند وترمذ، التي تعد تاريخيا من أبرز مراكز العلم والمعرفة، عكس مجددا المكانة المتنامية التي يحظى بها التراث الروحي والعلمي والثقافي الغني للحضارة الإسلامية لدى المجتمع الدولي.
التنوير في مواجهة الجهل: فكرة ملحة لعالم اليوم
يشهد العالم اليوم مرحلة من التحولات العميقة. ففي الوقت الذي تحقق فيه العلوم والتكنولوجيا تقدما غير مسبوق، يواجه العالم في المقابل تحديات خطيرة، من بينها تراجع الثقة المتبادلة، وانتشار الأفكار الهدامة، والتعصب، والتطرف، وتصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا. وفي ظل هذه الظروف المعقدة، أعاد المنتدى إلى صدارة الأجندة الدولية مبادرة «التنوير في مواجهة الجهل» التي طرحتها أوزبكستان من على منبر الأمم المتحدة عام ٢٠١٧.
وأكد المنتدى أن العلم والتعليم والقيم الأخلاقية الرفيعة تمثل الركيزة الأمتن لتحقيق الاستقرار العالمي. كما شدد على ضرورة النظر إلى اختلاف العادات والتقاليد باعتباره وسيلة لتعزيز التفاهم المتبادل، لا سببا للصراع. وذكّر كذلك بأن القيم الإسلامية أدت عبر التاريخ دورا محوريا في ازدهار العلوم، والنهوض الثقافي، وترسيخ القيم الإنسانية المشتركة.
التقدم المرتكز على الإرث الحضاري العظيم
أكد رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف في الجلسة الافتتاحية للمنتدى أن موقع أوزبكستان، التي كانت عبر التاريخ ملتقى لمختلف الحضارات، يجعلها المكان الرمزي الأنسب لاستضافة هذا الحدث. كما استحضر المنتدى من جديد إرث النهضتين الأولى والثانية في آسيا الوسطى، اللتين قدمتا إسهامات عظيمة في مسيرة التقدم الفكري والحضاري العالمي.
وأتيحت للمشاركين فرصة التعرف عن قرب على التراث العلمي الغني لعلماء المنطقة، الذي يشمل الاكتشافات الرائدة التي قدمها كبار العلماء الموسوعيين، أمثال الخوارزمي، والفرغاني، وأبو الريحان البيروني، وأبو علي ابن سينا، وميرزا أولوغ بيك في مختلف ميادين العلوم. كما حظيت بالإشادة الإسهامات الكبيرة التي قدمها علي شير نوائي وظهير الدين محمد بابر في مجالي الأدب والفلسفة، إلى جانب الخدمات الجليلة التي أسداها الإمام البخاري، والإمام الترمذي، والإمام الماتريدي، وبرهان الدين المرغيناني في تطوير العلوم الإسلامية والفقه الإسلامي.
وتواصل أوزبكستان اليوم، في إطار سياستها الوطنية وبالتعاون مع المجتمع الدولي، مسيرتها نحو بناء أسس النهضة الثالثة. ويقوم هذا المسار التنموي الجديد على التعليم الحديث، والابتكار، والنهضة الروحية، والاحترام العميق للتراث التاريخي. وتجسيدا عمليا لهذه السياسة، أعيد تشييد مجمع الإمام البخاري التذكاري في ولاية سمرقند بالكامل، ليغدو خلال فترة وجيزة واحدا من أبرز المراكز الروحية والعلمية والمعرفية في العالم الإسلامي.
كما نقش على البوابة الرئيسة لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الأمر القرآني الخالد: «اقرأ»، ليكون الفكرة المحورية والشعار الرئيس الذي تستند إليه رسالة المركز.
الطريق إلى المستقبل: أسس راسخة لتنمية مستدامة
ويفهم من كلمة رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف أن المهمة الأهم تتمثل في تحويل الأفكار والمبادرات التي طرحت خلال أيام المنتدى إلى برنامج مشترك طويل الأمد وذي طابع عملي. ولكي تثمر روح التعاون التي سادت في طشقند وسمرقند وترمذ عن نتائج ملموسة على المستوى العالمي، ينبغي أن تستند المرحلة المقبلة إلى أربعة محاور رئيسة.
١. تعزيز العلاقات والتفاهم المتبادل
من أجل التصدي للإسلاموفوبيا والتطرف وانعدام الثقة بين الثقافات، لا بد من تعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب. ويتطلب ذلك إنشاء منصات للحوار المفتوح، وإطلاق برامج تهدف إلى مكافحة التعصب والقضاء على الصور النمطية، إلى جانب تنفيذ مشاريع للتبادل الثقافي بين الشباب. كما أن تعزيز الثقة المتبادلة والتضامن والحوار الصادق بين عامة الناس والعلماء وقادة المجتمع يسهم في مواجهة الأفكار الهدامة من داخل المجتمع نفسه. ولن تكون أي إصلاحات مؤسسية أو تقنية ذات أساس متين ما لم تستعد الثقة بين الناس وتصحح المفاهيم الثقافية الخاطئة. فالتنوير الحقيقي يبدأ بالتعاطف المتبادل والاستعداد للإصغاء إلى الآخر.
٢. إعداد الكفاءات المتميزة وقادة المستقبل
إن تحقيق رؤية النهضة الثالثة يرتبط ارتباطا مباشرا بإعداد جيل جديد من العلماء والباحثين والمتخصصين. ولهذا ينبغي بناء منظومة لتأهيل كوادر عالية الكفاءة قادرة على الجمع بين العلوم الإسلامية الكلاسيكية ومنجزات العلوم الحديثة. ومن الضروري في هذا الإطار إطلاق برامج منح دراسية دولية عبر مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وتنظيم برامج بحثية مشتركة بين المؤسسات العلمية في أوزبكستان وأرقى جامعات العالم، إلى جانب تحديث المناهج الدراسية في المدارس ومؤسسات التعليم العالي على أسس التفكير النقدي والعلم والتاريخ. إن الاستثمار في القدرات الفكرية للإنسان يحول تراث العلماء العظام من مجرد صفحات في التاريخ إلى برنامج عملي لصناعة المستقبل.
٣. تحديث التكنولوجيا والبنية التحتية
يتطلب التعريف بتراث الحضارة الإسلامية على نطاق عالمي اعتماد وسائل حديثة لنشر المعرفة، وهو ما يستدعي الارتقاء بالتعاون بين المراكز العلمية الدولية والمكتبات والمتاحف إلى مستوى جديد. ومن أبرز الأولويات إنشاء مكتبة رقمية مترابطة للمخطوطات القديمة، وإتاحة المصادر التاريخية بلغات متعددة من خلال تقنيات الترجمة المتقدمة، فضلا عن تعزيز آليات التنسيق بين مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان وشركائه الدوليين. كما أن رقمنة الكنوز التراثية النادرة وترجمتها إلى لغات متعددة ستسهم في إزالة الحواجز الجغرافية واللغوية، بما يتيح للباحثين في مختلف أنحاء العالم الاستفادة على قدم المساواة من الثروة العلمية والروحية للحضارة الإسلامية.
٤. تعزيز التعاون مع قادة العالم وصناع القرار
ينبغي ألا تظل الأفكار التي طرحت في إطار المنتدى محصورة في الأوساط الأكاديمية، بل يجب أن يكون لها تأثير ملموس في السياسات الدولية وآليات صنع القرار. ومن هذا المنطلق، تكتسب الشراكة مع الأمم المتحدة، واليونسكو، وإيسيسكو، وغيرها من المؤسسات الدولية المرموقة أهمية خاصة. ومن خلال تنظيم منتديات دولية رفيعة المستوى بصورة منتظمة، وإجراء بحوث علمية مشتركة، وتقديم التوصيات للدول بشأن إصلاح منظومات التعليم، يمكن لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان أن يسهم في ترسيخ قيم السلام والمعرفة والتسامح ضمن أولويات أجندة التنمية الدولية. كما أن التعاون الفاعل مع صناع القرار سيمهد لإدماج مبادئ التسامح والتعليم والمعرفة بصورة أعمق في منظومات الحوكمة الدولية، وآليات الحماية القانونية، واستراتيجيات التنمية المستدامة.
وأثبت المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية أنه لم يقتصر على استحضار الإرث الحضاري العظيم للماضي، بل أسس أيضا فضاء جديدا للتجديد العالمي. وانطلاقا من الإرث العلمي والمعرفي العريق لمدن طشقند وسمرقند وترمذ، يعمل مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان على بناء جسر فكري وروحي متين يربط بين كنوز الحضارة الإسلامية الممتدة عبر القرون ومتطلبات التنمية العالمية المعاصرة.
ومن المتوقع أن يحدد التنفيذ الناجح للإجراءات المقررة ضمن هذه المحاور الأربعة الأولوية الأثر طويل الأمد لهذه القمة التاريخية. فمن خلال اتباع نهج متوازن يقوم على تعزيز الثقة والعلاقات بين الشعوب، والارتقاء بالقدرات الفكرية، وتطوير تقنيات التعاون، والإسهام الإيجابي في صياغة السياسات الدولية، سيكون بالإمكان تحقيق الهدف الرئيس للمنتدى بصورة كاملة، والمتمثل في تجسيد شعار «التنوير في مواجهة الجهل».
يتقدم الجميع بخالص الشكر والتقدير إلى مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان على التنظيم الرفيع لهذا المنتدى، وعلى الدعوة الكريمة التي وجهها للمشاركين، وما أبداه من كرم الضيافة، وإتاحته فرصة ثمينة لجميع الحاضرين لتبادل المعارف والخبرات. لقد تم رسم طريق نحو السلام العالمي والتضامن بين الشعوب، وأصبح السير فيه معا مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.
وقد أثبت المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية عمليا أنه لم يقتصر على استذكار الإنجازات الحضارية العظيمة للماضي، بل أسهم في إنشاء منصة جديدة للتجديد على المستوى العالمي. واستنادا إلى الإرث العلمي والمعرفي العريق الذي تشكل عبر القرون في طشقند وسمرقند وترمذ، نجح مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان في بناء جسر متين يربط بين كنوز الحضارة الإسلامية الممتدة عبر العصور ومتطلبات التنمية العالمية المعاصرة.
ومن شأن التنفيذ المتواصل والفاعل للإجراءات العملية في المحاور الأربعة ذات الأولوية أن يعزز مستقبلا الأهمية التاريخية لهذا المنتدى. ومن خلال تحسين العلاقات بين الشعوب، وتنمية القدرات الفكرية، وتحديث تقنيات التعاون، والإسهام في صياغة السياسات الدولية، ستجد مبادرة «التنوير في مواجهة الجهل» تجسيدها العملي.
ويجدد الجميع خالص الشكر والامتنان لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان على حسن تنظيم هذا الحدث الدولي المرموق، وما وفره من كرم الضيافة، وإسهامه البارز في نشر العلم والمعرفة على أوسع نطاق. لقد تم تحديد الطريق المؤدي إلى السلام والوئام بين الشعوب، وأصبح المضي فيه معا واجبا مشتركا يتحمله المجتمع الدولي بأسره.


