أسفر المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية عن اكتشافين علميين مهمين

بمبادرة من الرئيس شوكت ميرضيائيف، أُعلن أمام الرأي العام خلال المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي عقد تحت شعار «الحضارة الإسلامية: طريق السلام والتسامح والمعرفة» في مدن طشقند وسمرقند وترمذ، بمشاركة نحو ٣٠٠ شخصية من أكثر من ٤٠ دولة، بينهم مسؤولون حكوميون وشخصيات عامة ووزراء ومفتون وعلماء بارزون وأكاديميون وباحثون ومديرو متاحف ومكتبات وممثلو منظمات دولية، عن اكتشافين علميين مهمين من شأنهما الإسهام في إعادة تقييم التراث الفكري لآسيا الوسطى.
وخلال المؤتمر الدولي الثالث بعنوان «الحضارة الإسلامية والعالم المعاصر: التراث والحوار والتنمية»، الذي انعقد في إطار المنتدى، عرض العلماء أمام الأوساط العلمية الدولية نتائج دراستين مهمتين تتعلقان بالتراث العلمي والأدبي لآسيا الوسطى. فقد كشفت الأولى، استنادا إلى مصادر جديدة، عن مكانة تراث المفكر الكبير في القرن الرابع عشر كمال الخجندي في إبداع بابر، بينما أكدت الثانية اكتشاف نسخة مخطوطة أخرى من أحد دواوين علي شير نوائي، كانت مجهولة من قبل.
وأوضح العلماء أن المخطوطة المحفوظة في المكتبة البريطانية، والتي كانت مسجلة حتى الآن على أنها عمل آخر، هي في الحقيقة النسخة العلمية التاسعة المعروفة من ديوان علي شير نوائي «بدائع البداية». كما أعيد تقييم أكثر من خمسين اقتباسا من شعر كمال الخجندي، أوردها بابر في رسالته «العروض» («المختصر»)، بوصفها مصدرا فريدا لدراسة البيئة الأدبية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
وتأتي هذه النتائج العلمية في وقت يتزايد فيه الاهتمام بإعادة دراسة التراث المخطوط والتقاليد الأدبية والتاريخ الفكري لآسيا الوسطى في إطار التعاون العلمي الدولي.
ووفقا لما ذكرته الباحثة الرئيسة في معهد اللغة والأدب والفولكلور الأوزبكي التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان، مرشحة العلوم الفيلولوجية، الأستاذة بوروبية راجابوفا، فإن رسالة بابر «العروض» («المختصر») تتضمن نماذج من إبداعات ٧٣ أديبا عاشوا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ومن بينها أكثر من خمسين اقتباسا من شعر كمال الخجندي. ويرى العلماء أن هذه الشواهد لا تدل فقط على معرفة بابر العميقة بإبداع كمال الخجندي، بل تؤكد أيضا أنه كان يعده أحد أبرز أساتذته في الأدب.
وأشار العرض إلى أن هذه الأبيات الشعرية حفظت كذلك بعض الوقائع التاريخية المتعلقة بحياة كمال الخجندي، بما في ذلك معلومات عن الأمير تيمور وميرونشاه ميرزا، الأمر الذي يعزز أهمية المصادر الأدبية بوصفها وثائق تاريخية.
كما أكد الباحث أن إقامة بابر فترة من الزمن في خجند، وورود اسم المدينة واسم كمال الخجندي في كتاب «بابرنامه» بكل تقدير واحترام، يعكس أيضا الصلة الروحية بين هذين المفكرين.
وأضاف أن الأستاذة قارنت إبداع كمال الخجندي بأعمال عبد الرحمن الجامي، وعلي شير نوائي، ودولتشاه السمرقندي، مشيرة إلى أن مخطوطات دواوينه محفوظة اليوم في طشقند، وباكو، ودوشنبه، وسانت بطرسبورغ. ويرى العلماء أن ذلك يؤكد أن تراث الشاعر لا يقتصر على الأهمية الإقليمية، بل يتمتع بقيمة علمية وثقافية دولية.
أما الخبر العلمي الثاني الذي أُعلن خلال المؤتمر، فقد تعلق بمجال الدراسات النَّوائية.
وأوضحت الباحثة الكبرى في معهد الاستشراق باسم أبي الريحان البيروني، مرشحة العلوم التاريخية، أويسارة مداليةيفا، أن المخطوطة المحفوظة في المكتبة البريطانية، والتي وُصفت حتى الآن بأنها «غرائب الصغر»، هي في الحقيقة نسخة جديدة، وهي النسخة التاسعة، من ديوان علي شير نوائي «بدائع البداية».
وأضافت أن هذا الاكتشاف تحقق في شهر أبريل عام ٢٠٢٦ خلال أبحاث دولية نُظمت بالتعاون بين مكتبة بودليان بجامعة أكسفورد، وكلية نيو كوليدج، ومكتبة برلين الحكومية.
ووفقا للباحثين، فإن المخطوطة نُسخت عام ١٥٢٠ في البلاط الصفوي، وهو ما يدل على أن مؤلفات نوائي ظلت تحظى بتقدير كبير خارج خراسان وما وراء النهر أيضا، حتى بعد نحو عشرين عاما من وفاته.
وأشار العلماء إلى أن من أبرز خصائص هذه النسخة أنها مزينة بست منمنمات، وستة كولوفونات، ولوحة «شمسة» تجسد بنية الديوان، وهو ما يميزها عن جميع النسخ الأخرى المعروفة حتى الآن.
وأظهرت المقارنات الأولية أن المخطوطة المكتشفة في لندن تتطابق إلى حد كبير مع نسخة «بدائع البداية» المحفوظة في باكو. ويرى الباحثون أن ذلك يفتح آفاقا علمية جديدة لدراسة طرق انتشار مؤلفات نوائي في القرن السادس عشر، والعلاقات بين النسخ المخطوطة.
وأكد العلماء أن نتائج هذين البحثين لا تسهم فقط في تعميق فهم تراث كمال الخجندي وبابر ونوائي، بل تقدم أيضا مصادر علمية جديدة للدراسات الدولية في مجالات التاريخ الفكري لآسيا الوسطى، وعلم المخطوطات، وتحقيق النصوص، والدراسات الأدبية. ومن شأن ذلك أن يسهم في دمج التراث العلمي الغني للمنطقة بصورة أوسع في منظومة العلوم الإنسانية العالمية.


