Haber٧: «السعي نحو النهضة الثالثة يليق بأوزبكستان»
أكد الكاتب والعمودي في البوابة الإخبارية التركية المرموقة Haber7، مرسل غوندوغدو، أن فكرة النهضة الثالثة التي يجري تنفيذها في أوزبكستان تنسجم تماما مع الإرث العلمي والروحي الغني والإمكانات الحضارية التي تتمتع بها البلاد. واعتبر الكاتب مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان والمنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية تجسيدا عمليا لهذه النهضة، مشيدا بالمبادرات الرامية إلى إحياء التراث التاريخي، وتطوير العلم والمعرفة، والتعريف على نطاق دولي بتراث الحضارتين التركية والإسلامية.
وبعد أن قضينا يومين حافلين بالفعاليات في طشقند، عاصمة أوزبكستان الشقيقة، توجهنا إلى مدينة سمرقند العريقة. وعندما يُذكر اسم أوزبكستان، يبدو وكأن الزمن يفقد معناه. فالبلاد تعيش مرحلة واسعة من التنمية والتجديد. ومن الواضح أن مؤسسات الدولة، والأوساط العلمية، والشباب، ومختلف فئات المجتمع قد توحدوا من أجل تحقيق الأهداف النبيلة التي تتطلع إليها البلاد. وتسود جميع شرائح المجتمع روح عالية وثقة كبيرة بالمستقبل.
تمضي أوزبكستان بخطوات ثابتة نحو بناء النهضة الثالثة. وهذه الفكرة النبيلة، والجهود المبذولة لتحقيقها، تتوافق تماما مع الإرث التاريخي العريق والإمكانات الفكرية التي تمتلكها البلاد.
وفي الوقت الذي تستضيف فيه تركيا قمة حلف شمال الأطلسي، مؤكدة مرة أخرى مكانتها على الساحة الدولية، تبرز أهمية دخول أوزبكستان أيضا مرحلة جديدة من التنمية انطلاقا من رؤية حضارية. وإن تطور الدول التركية على أساس التعاون والمنافسة الإيجابية في مجالات العلم، والتكنولوجيا، والدبلوماسية، والثقافة، والقيم الروحية، يحمل أهمية كبيرة للعالم التركي بأسره.
وتعد أوزبكستان واحدة من أهم المراكز العلمية والروحية للحضارة التركية الإسلامية.
فقد أنجبت هذه الأرض المباركة علماء كبارا أسهموا إسهاما عظيما في تقدم الحضارة الإنسانية، من بينهم الإمام الماتريدي، والإمام البخاري، والإمام الترمذي، وأبو الريحان البيروني، وابن سينا، ومحمد الخوارزمي، وميرزا أولغ بيك، ومحمود الزمخشري، وأبو معين النسفي، وأحمد الفرغاني. وما خلفه هؤلاء من تراث علمي وروحي ثري لا يمثل إرثا للعالم الإسلامي فحسب، بل يعد ثروة مشتركة للإنسانية جمعاء.
وتولي أوزبكستان اليوم اهتماما خاصا بدراسة هذا التراث العظيم دراسة معمقة، وصونه، ومواءمته مع متطلبات التنمية الحديثة.
من المعلوم أن أول مركز علمي كبير في العالم الإسلامي كان مدينة بغداد. وقد بلغ هذا المركز أوج ازدهاره بفضل نشاط «بيت الحكمة». غير أنه، ومع تراجع مكانته نتيجة عوامل تاريخية مختلفة، بدأت سمرقند تبرز بوصفها مركزا جديدا للعلم. وبفضل السياسة الحكيمة للدولة السامانية، تحولت المدينة خلال فترة وجيزة إلى أحد أبرز المراكز العلمية والثقافية في العالم الإسلامي. ولم تقتصر النهضة فيها على العلوم الدينية فحسب، بل شهدت أيضا ازدهارا كبيرا في الرياضيات، وعلم الفلك، والعلوم الطبيعية، مما مهد لواحدة من أزهى مراحل النهضة الفكرية في تاريخ الإنسانية.
واليوم تمضي أوزبكستان على نهج إحياء تلك التقاليد المجيدة. فقد أُعيد إحياء العديد من مواقع التراث الوطني والروحي التي اندثرت أو ظلت مهملة لسنوات طويلة، وأصبحت مجددا في خدمة المجتمع.
ويعد مجمع الإمام البخاري في سمرقند نموذجا بارزا لهذه المشاريع العمرانية واسعة النطاق. فقد أصبح هذا المجمع، بعد إعادة تشييده، يوفر بيئة روحية متميزة للزائرين بفضل تصميمه المعماري، وتطوير محيطه، وما يضمه من بنية تحتية حديثة. كما تتواصل أعمال الترميم وإعادة التأهيل الشاملة في ضريح الإمام الماتريدي.
ويحتل مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان مكانة خاصة في تجسيد فكرة النهضة الثالثة على أرض الواقع.
فهذا المركز، الذي يُقام بمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، لا يمثل صرحا معماريا مهيبا فحسب، بل يتشكل أيضا بوصفه مركزا فكريا رائدا يعكس الإمكانات العلمية والثقافية والمعرفية للبلاد.
وينظم المركز فعاليات دولية مهمة، من بينها المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية، الذي أقيم خلال الفترة من ٧ إلى ١١ يوليو ٢٠٢٦ بمشاركة أكثر من ٣٠٠ شخصية من الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، وآسيا الوسطى، وجنوب آسيا، وأوروبا، ومناطق أخرى من العالم الإسلامي، وذلك تحت إشرافه المباشر. وقد أتيحت لنا أيضا فرصة المشاركة في هذا المنتدى بإلقاء ورقة علمية.
وأقيم المنتدى تحت شعار «الحضارة الإسلامية: طريق السلام والتسامح والمعرفة»، واستضافته مدن طشقند وسمرقند وترمذ.
ويتجلى اهتمام أوزبكستان بالحفاظ على التراث الحضاري ونقله إلى الأجيال القادمة في كل خطوة. فإلى جانب ترميم المعالم التاريخية والثقافية، تُنفذ برامج منهجية لترسيخ هذا التراث في وعي الأجيال الشابة.
وخلال الاطلاع على معروضات المتحف الجاري إعدادها في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، يلفت الانتباه بشكل خاص ما يتمتع به الشباب العاملون في المركز من احترام عميق لتاريخهم وثقافتهم ووطنهم.
وشارك في تنظيم المنتدى عدد من المنظمات الدولية المرموقة، من بينها WOSCU، وIRCICA، وTÜRKSOY، ومؤسسة «الفرقان»، ومؤسسة التراث والثقافة التركية، والأكاديمية التركية الدولية، وأكاديمية العلوم التركية، ومعهد المخطوطات التركية، ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، إلى جانب لجنة الشؤون الدينية التابعة لمجلس وزراء جمهورية أوزبكستان، وإدارة مسلمي أوزبكستان، ووزارة الخارجية، والمراكز الدولية للبحوث العلمية للإمام البخاري، والإمام الترمذي، والإمام الماتريدي. وكان الشريك الدولي الرئيسي للمنتدى هو إيسيسكو.
وقرأ البروفيسور الدكتور كورشاد زورلو، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية والمسؤول عن العلاقات مع الدول التركية، رسالة رئيس جمهورية تركيا رجب طيب أردوغان إلى المشاركين في المنتدى.
وفي الوقت نفسه، لوحظ أن المنتدى الدولي، الذي شهد مشاركة كبار الشخصيات الدينية والعلمية من مختلف الدول الإسلامية، لم يشهد مشاركة رفيعة المستوى من رئاسة الشؤون الدينية في الجمهورية التركية. إذ إن المشاركة في مثل هذا المنتدى المرموق، الذي يناقش تراث علماء كبار مثل الإمام الماتريدي، والإمام البخاري، والإمام الترمذي، ويهدف إلى إبراز الحقيقة الأصيلة للإسلام القائمة على السلام، والتسامح، والمعرفة، والعمران، تمثل أهمية كبيرة لأي مؤسسة دينية أو علمية.
ولا شك أن متابعة تركيا، بوصفها دولة ذات تأثير عالمي إلى جانب مكانتها كقوة إقليمية، للتطورات المهمة الجارية في الدول التركية الشقيقة عن كثب، ودعمها لها في حدود إمكاناتها، من شأنه أن يسهم في تعزيز التعاون المشترك بصورة أكبر.


