

الأخبار
رمز للتقدير الرفيع لشخصية العالم الموسوعي العظيم
تحل اليوم الذكرى الـ١٠٥٣ لميلاد أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني. وقد أسهم هذا العالم الجليل، الذي أنجبته أرض خوارزم، إسهاما عظيما في تطور العلم والمعرفة في العالم من خلال أبحاثه العلمية الواسعة، وفكره العميق، وسعيه الدائم إلى فهم الكون. وعلى مدى قرون، ارتبط اسمه ارتباطا مباشرا بالعديد من العلوم، مثل علم الفلك، والرياضيات، والجغرافيا، والجيوديسيا، وعلم المعادن، والطب، والتاريخ، والإثنوغرافيا، والفلسفة.
وتجسد الأقواس المهيبة لـ «أبو ريحان البيروني» في بهو «معرض الشخصيات العظيمة» بمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، بلغة الألوان، الحياة المتعددة الجوانب لهذا العالم العظيم وتراثه العلمي الهائل.
إن المتفرج الذي يتأمل هذا العمل لا يرى صورة عالم فحسب، بل يرى أيضا عالمه الفكري. وقد صورت في هذا التكوين، في انسجام بديع، مسيرة البيروني في الحياة، ورحلاته العلمية، ورصده الفلكي، وأبحاثه الجغرافية، ودراساته المتعلقة بالطبيعة والطب، ومؤلفاته الشهيرة، واكتشافاته.
ولذلك يمكن تقييم هذه اللوحة الجدارية المهيبة بوصفها سجلا فنيا يجسد حياة هذا العالم العظيم وتراثه العلمي.
العالم الكبير الذي أنجبته أرض خوارزم
ولد أبو ريحان البيروني في ٤ سبتمبر سنة ٩٧٣ بالقرب من مدينة كاث، العاصمة القديمة لخوارزم. وكان البيروني ينتمي إلى أسرة العراقيين المرتبطة بسلالة الخوارزمشاهيين الأفريغيين، وقد نشأ في بيت العالم الشهير أبو نصر بن عراق.
وقد ظهر شغفه بالعلم في سن مبكرة جدا. ففي السادسة عشرة من عمره بدأ بممارسة الرصد الفلكي، وشرع منذ شبابه في دراسة مسائل علمية معقدة، مثل حركة الأجرام السماوية، والزمان والمكان، وأبعاد الأرض.
وفي الثانية والعشرين من عمره غادر البيروني كاث، وعاش في مدن أورغنج والري وجرجان وغزنة، كما أقام في الهند. وأينما حل، كان يتواصل مع علماء المنطقة، ويدرس المعارف المتاحة، ويواصل أبحاثه العلمية.
وقد وجدت هذه المدن والأحداث المرتبطة بمسيرة حياته تعبيرها الفني أيضا في هذه اللوحة. أما الفكرة الأساسية التي توحد بين هذه الأمكنة المختلفة فهي الرحلة التي لا تنتهي للإنسان الساعي إلى العلم.
عالم من العلم لا يتسع له عمر واحد
من المعروف أن البيروني ألف نحو ١٥٠ مؤلفا، وصل إلينا منها ٣١ مؤلفا. وهذه الأعمال وحدها تكشف مدى اتساع اهتماماته العلمية وتنوعها.
وقد جمع في مؤلفاته مثل «الآثار الباقية»، و«تحديد نهايات الأماكن»، و«التفهيم»، و«تحقيق ما للهند»، و«القانون المسعودي»، و«الجماهر في معرفة الجواهر»، و«الصيدنة في الطب» أفكارا واستنتاجات علمية مهمة في مجالات متعددة.
وإلى جانب علم الفلك والرياضيات، ترك البيروني أثرا عميقا في مجالات الجغرافيا، والجيوديسيا، والفيزياء، وعلم المعادن، وعلم الأدوية، والتاريخ، والأدب، ودراسة الأديان، والفلسفة.
وفي هذه اللوحة الجدارية المهيبة، تتجسد جوانب مختلفة من هذا التراث العلمي من خلال مشاهد مستقلة. فالكتب التي يحملها العالم، والأدوات العلمية، والكرة الأرضية، والخرائط، ومشاهد الطبيعة، توحد أبحاثه العلمية فنيا ضمن تكوين متكامل.
عالم سعى إلى فهم أسرار الكون
تحتل علوم الفلك مكانة خاصة في التراث العلمي للبيروني. فلم يكتف برصد حركة الأجرام السماوية، بل درسها أيضا اعتمادا على الحسابات الرياضية الدقيقة.
ويعد كتابه الشهير «القانون المسعودي» موسوعة للمعارف في العلوم الدقيقة، إذ تناول فيه على نطاق واسع مسائل علم الكونيات، والفلك الكروي، وعلم المثلثات، والجغرافيا الرياضية. كما تضمن الكتاب جداول لبيانات تتعلق بـ١٠٢٩ نجما ثابتا.
ووضع البيروني صيغاً رياضية لحساب حركة الكواكب، وأورد جداول لدوال الجيب وجيب التمام والظل وظل التمام. كما شرح أساليب رياضية دقيقة تتيح حساب كسوف الشمس وخسوف القمر.
أما مشاهد السماء والنجوم والتفاصيل المرتبطة بالرصد الفلكي في اللوحة، فتعرّف المشاهد بسعي البيروني المتواصل إلى فهم الكون واستكشاف أسراره.
البيروني الذي قاس الأرض ودرس أسرارها
كانت أبحاث هذا العالم في مجالي الجغرافيا والجيوديسيا متقدمة للغاية بالنسبة إلى عصره.
ففي كتابه «تحديد نهايات الأماكن» شرح أساليب تحديد أفضل طريق من غزنة إلى مكة، وتعيين الإحداثيات الجغرافية للمدن، وحساب المسافات على سطح الأرض.
كما طرح البيروني آراء علمية حول التاريخ الجيولوجي للأرض، والتطور الجيولوجي لنهر آموداريا والصحراء العربية. وتدل استنتاجاته بشأن اتصال المحيط الهندي بالمحيط الأطلسي جنوب إفريقيا على مدى اتساع رؤيته الجغرافية.
وقد تمكن البيروني، أثناء وجوده في قلعة نندنة، من تحديد نصف قطر الأرض باستخدام أساليب رياضية. كما صنع كرة أرضية قطرها ٧٥٠ سنتيمترا، أتاحت تحديد المسافات بين التجمعات السكانية وتعيين إحداثياتها اعتمادا على المعالم الجغرافية.
وليس من قبيل المصادفة أن تظهر الكرة الأرضية والخرائط الجغرافية في هذا العمل الفني المهيب، إذ ترمز إلى أن البيروني لم ينظر إلى الأرض بوصفها مكانا للعيش فحسب، بل درسها أيضا باعتبارها موضوعا للبحث العلمي.
العالم الموسوعي الذي كشف أسرار الطبيعة
لم تقتصر اهتمامات البيروني على السماء والأرض، بل درس بعمق أيضا المعادن والصخور والنباتات الطبية وعالم الحيوان.
وفي كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر» أورد معلومات قيمة عن التكوين الطبيعي للمعادن، والأحجار الكريمة والفلزات، والثروات المعدنية في مناطق آسيا الوسطى والشرقين الأدنى والأوسط.
كما أثبت هذا العالم عدم صحة الاعتقاد الشائع في عصره بإمكانية تحويل المعادن العادية إلى معادن ثمينة، مبينا أن هذا الرأي يفتقر إلى أساس علمي.
أما في كتابه «الصيدنة في الطب» فقد وصف ١١١٦ دواء مستخرجا من المعادن والنباتات والحيوانات، وذكر نحو ٤٥٠٠ اسم لها بلغات ولهجات مختلفة. وقد جمع في تأليف هذا الكتاب التراث العلمي لـ٢٥٠ مؤلفا عاشوا في مناطق مختلفة على مدى ١٥٠٠ عام.
وتكشف هذه الحقائق وحدها أن البيروني لم يكن مجرد باحث في عصره، بل كان صاحب عقل موسوعي جمع المعارف الواردة في مصادر متعددة ونظمها بصورة منهجية.
جسر بين اللغات والحضارات
ومن الجوانب المهمة الأخرى التي تميز التراث العلمي للبيروني أنه نهل من معارف شعوب وحضارات مختلفة.
وكان هذا العالم يتقن اليونانية القديمة والرومية والسريانية والهندية والفارسية والعربية والخوارزمية والصغدية والتركية. وقد استفاد من المصادر المكتوبة بلغات متعددة، وأخضعها للتحليل والمقارنة.
وفي كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» جمع معلومات عن تقاويم الشعوب المختلفة، ومعتقداتها الدينية، وعاداتها وتقاليدها، وأعيادها، ورواياتها وأساطيرها. وقد ظل هذا الكتاب على مدى قرون مرجعا مهما لتحويل التواريخ القديمة إلى تقاويم العصور اللاحقة، بما في ذلك التقويم الإسلامي.
ويعبر انسجام الصور المرتبطة بمختلف الشعوب والثقافات في تكوين اللوحة عن جانب مهم آخر من تراث البيروني العلمي، وهو تبادل المعرفة بين الحضارات.
عالم درس الهند وسعى إلى فهم ثقافتها
تحتل مرحلة نشاط البيروني في الهند مكانة خاصة في تراثه العلمي. فقد درس تاريخ البلاد وجغرافيتها وفلسفتها وفنونها وعاداتها وتقاليدها ومعتقداتها الدينية.
وفي كتابه «تحقيق ما للهند»، الذي ألفه استنادا إلى المعلومات التي جمعها، قدم وصفا موضوعيا لحياة الشعب الهندي وثقافته ومعتقداته الدينية. وتعامل البيروني باحترام مع المعتقدات المختلفة، ودعا إلى الحوار بين الثقافات والتفاهم المتبادل.
كما ترجم إلى اللغة السنسكريتية نماذج مهمة من التراث العلمي اليوناني، من بينها كتاب «المجسطي»، وترجم مؤلفات علمية من السنسكريتية إلى العربية.
وبذلك أسهم البيروني في تبادل المعارف بين بيئتين علميتين وثقافيتين مختلفتين. ولا يزال هذا النشاط يمثل حتى اليوم نموذجا تاريخيا بارزا للحوار العلمي بين الحضارات.
عالم البيروني كما تجسد في الألوان
«تكمن أهمية اللوحة الجدارية المهيبة "أبو ريحان البيروني" في أنها لا تقدم حياة العالم وتراثه العلمي بوصفهما مجموعة من الحقائق المنفصلة، بل في صورة حكاية فنية متكاملة. فعندما يتأمل الزائر هذا العمل في بهو "معرض الشخصيات العظيمة"، يستشعر في تكوين واحد مسيرة حياة البيروني التي بدأت من كاث، ورحلاته إلى بلدان مختلفة، ورصده للنجوم، وقياسه للأرض، ودراساته للمعادن والنباتات الطبية، وبحثه في ثقافات الشعوب المختلفة. إنها ليست صورة لحياة إنسان واحد، بل صورة لعالم فكري عظيم. وهنا تكمن قوة تراث البيروني العلمي؛ فهو لم يكتف بجمع المعارف المتاحة في عصره، بل أثرى تلك المعارف اعتمادا على الملاحظة والتحليل والحساب والاستنتاج المنطقي. ومن خلال مؤلفاته ترابطت مجالات علمية متعددة بعضها ببعض»، قال زاهد الله منوروف، كبير الباحثين في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، والأستاذ الجامعي.
أما اليوم، فيبعث هذا التراث من جديد بلغة الفن التشكيلي في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
ولا تمثل اللوحة الجدارية المهيبة «أبو ريحان البيروني» عملا مكرسا لذكرى هذا العالم الكبير فحسب، بل تجسد أيضا أسمى معاني التقدير للعلم. فهي لا تعرف المشاهد بالتاريخ فقط، بل تدعوه كذلك إلى البحث وطرح الأسئلة والملاحظة والاكتشاف على نهج البيروني.
فعبقرية البيروني التي وصلت إلينا عبر القرون تذكرنا بحقيقة خالدة: أن الإرث الذي يصنعه العلم لا يعترف بحدود الزمان والمكان.
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.