قضاة بخارى السبعة: مدرسة ألفية للعدالة والفكر القانوني

ارتبطت أسماء بعض المدن عبر التاريخ ارتباطا وثيقا بمجالات علمية معينة، وكانت بخارى واحدة من تلك المدن. فقد ازدهرت فيها على مدى قرون علوم الحديث والتفسير والفقه والكلام والتصوف وغيرها من العلوم. وفي الوقت نفسه، تشكلت فيها مدرسة فكرية ثرية تهدف إلى إرساء العدالة في المجتمع، وحل النزاعات، وتنظيم العلاقات القانونية.
ومن أبرز ممثلي هذه المدرسة الفقهاء الذين اشتهروا باسم "القضاة السبعة".
"القضاة السبعة" — رمز الفكر القانوني في بخارى
لم يكن منصب القضاء في الحضارة الإسلامية مجرد وظيفة إدارية، بل كان من أبرز المؤسسات الاجتماعية التي أدت دورا مهما في إرساء العدالة والنظام القانوني في المجتمع. وكان القاضي يتولى مسؤوليات جسيمة، من بينها النظر في النزاعات، وإصدار الأحكام استنادا إلى أحكام الشريعة، وحماية المصالح المشروعة للناس.
ومع انتشار الإسلام على نطاق واسع في آسيا الوسطى، تطورت مؤسسة القضاء هي الأخرى. وأصبحت بخارى تعرف بوصفها أحد أبرز المراكز التي ازدهر فيها الفقه الحنفي.
وتذكر المصادر عددا من الفقهاء الذين عاشوا في بخارى ونالوا مكانة مرموقة بين الناس لما عرفوا به من غزارة العلم والتقوى والنزاهة والحرص على العدل، واشتهروا باسم "القضاة السبعة".
لم يكونوا سبعة قضاة عاشوا في زمن واحد، بل كانوا سلسلة من العلماء الذين اشتغلوا بالفقه والقضاء في عصور مختلفة، وتركوا وراءهم تراثا علميا غنيا. وتزيد حقيقة وجود قبورهم في مجمع "تشور بكر بخارى" التاريخي بمدينة بخارى من الأهمية التاريخية لهذا المكان.
ولهذا السبب، يعرف المجمع أيضا بين الناس باسم "مزارات القضاة السبعة".
في بداية السلسلة عالم من أستروشانة
من أبرز الجوانب اللافتة في تاريخ "القضاة السبعة" أن بداية هذه السلسلة ترتبط باسم الفقيه الكبير أبي جعفر الأستروشني، الذي نشأ في منطقة أستروشانة.
واسمه الكامل أبو جعفر محمد بن عمرو (عمر) بن سليمان الشعبي الأستروشني. ولا يعرف تاريخ مولده على وجه الدقة. وتذكر المصادر أن وفاته كانت سنة ٤٠٠هـ/١٠١٠م أو ٤٠٤هـ/١٠١٣م.
تلقى أبو جعفر الأستروشني علومه الأولى في موطنه أستروشانة. ثم انتقل إلى بخارى، حيث تولى القضاء، وعرف بوصفه أحد كبار فقهاء عصره.
وكان للتواصل العلمي بين المراكز الكبرى مثل أستروشانة وبخارى وبغداد أثر مهم في تكوينه العلمي. وكان أول شيوخه عمه لقمان بن شعبي بن سليمان الأستروشني.
ثم أخذ العلم عن الفقيه البخاري الشهير أبي بكر محمد بن فضل الكماري البخاري، وعن العالم الحنفي الكبير من بغداد أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص.
وتكشف سلسلة شيوخ عالم واحد وحدها مدى اتساع حركة التبادل العلمي بين ما وراء النهر والعالم الإسلامي في ذلك العصر.
كما كان لأبي جعفر الأستروشني تراث علمي مهم. وتنسب إليه مؤلفات فقهية مثل "الجامع الكبير" و"الزيادات" و"كفاية الشعبي".
ويعد كتاب "كفاية الشعبي" على وجه الخصوص من المصادر المهمة لدراسة تطور الفقه الحنفي في ما وراء النهر. كما تدل النسخ المخطوطة من هذا الكتاب المحفوظة في معهد الاستشراق باسم أبي الريحان البيروني التابع لأكاديمية علوم جمهورية أوزبكستان على قيمته العلمية.
أبو زيد الدبوسي: اتجاه جديد في التفكير القانوني
ومن الشخصيات البارزة الأخرى في سلسلة "القضاة السبعة" أبو زيد الدبوسي، واسمه الكامل أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي.
ولد هذا العالم في قرية دبوسية الواقعة بين بخارى وسمرقند، وتولى منصب القضاء في عهد القراخانيين. ولهذا تذكره المصادر أيضا باسم "القاضي زيد".
ومن أبرز ما اشتهر به الدبوسي نشاطه العلمي في مجال "علم الخلاف"، الذي يعنى بالتحليل المنهجي للاختلافات بين الآراء الفقهية.
ومن منظور الدراسات القانونية الحديثة، تكتسب مبادئ مقارنة الآراء القانونية المختلفة، وتحليل أدلتها، والوصول إلى استنتاج معلل بشأن مسألة معينة أهمية بالغة.
ويحظى كتابه "تأسيس النظر" بأهمية خاصة من هذه الناحية أيضا، إذ يركز على تحليل المسائل الفقهية على أسس نظرية ومقارنة الآراء المختلفة فيها.
توفي أبو زيد الدبوسي سنة ٤٣٠هـ/١٠٣٩م، ودفن في مقبرة "القضاة السبعة".
سلسلة واحدة — ومدارس علمية متعددة
كما ترك علماء آخرون يذكرون ضمن "القضاة السبعة" أثرا مهما في تطور الفكر القانوني في ما وراء النهر.
ومن بينهم أبو إبراهيم إسماعيل بن محمد بن عبد الله المستملي البخاري، الذي يحتل مكانة خاصة. وقد عاش هذا العالم بين سنتي ٣٥٨هـ/٩٦٨م و٤٣٤هـ/١٠٤٣م، وكان عالما متبحرا في الفقه والتصوف. ويعد كتابه "شرح التعرف" من أهم أجزاء تراثه العلمي.
وعاش بديع الدين أحمد بن عمر البخاري في القرن الثاني عشر، واشتهر بكتابه "فتاوى بديع الدين".
أما ظهير الدين محمد بن أحمد البخاري، فقد عمل قاضيا ومحتسبا في بخارى. وتوفي سنة ٦١٩هـ/١٢٢٢م، ومن مؤلفاته "الفوائد الظهيرية" و"الفتاوى الظهيرية".
كما يذكر أحمد بن عمرو بن موسى البخاري بوصفه أحد العلماء الذين تولوا القضاء في سمرقند وبخارى.
ويذكر الزوزني بوصفه الممثل السابع لهذه السلسلة. غير أن شهرة عدد من العلماء بهذه النسبة تجعل تحديد الشخصية المقصودة تحديدا دقيقا ضمن "القضاة السبعة" مسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسات المصدرية.
ويشير ذلك إلى أن بعض جوانب هذا الموضوع لا تزال بحاجة إلى دراسة أعمق.
من "القضاة السبعة" إلى "القضاة التسعة"
ومن اللافت أن المصادر التاريخية تقدم معلومات مختلفة أيضا بشأن عدد العلماء الذين يدخلون ضمن "القضاة السبعة".
فقد أورد معين الفقراء في كتابه "تاريخ ملا زاده" معلومات عن مقبرة "القضاة السبعة" في بخارى وعن العلماء المدفونين فيها.
أما الدراسات اللاحقة فقد وسعت هذه القائمة، وأدخلت أيضا مفهوم "القضاة التسعة" إلى التداول العلمي.
وبالاستناد إلى كتاب "الإنصاف" للشيخ شاه ولي الله الدهلوي، يضم الباحث العربي صبحي جميل الخياط إلى كبار فقهاء بخارى أيضا علماء مثل أبي اليسر البزدوي، وفخر الإسلام البزدوي، وأبي المعالي أحمد البزدوي، وقاضي خان الأوزجندي.
وقد أسهم كل واحد منهم إسهاما كبيرا في تطور الفقه وأصول الفقه في ما وراء النهر.
ومن ثم، فإن مصطلح "القضاة السبعة" لا يظهر بوصفه قائمة مغلقة وثابتة بقدر ما يعبر عن تقليد تاريخي تشكل في البيئة الفقهية والعلمية لبخارى.
فضاء علمي أوسع من بخارى
يكشف البحث في تاريخ "القضاة السبعة" حقيقة مهمة أخرى، وهي أن العلم في العصور الوسطى لم يكن محصورا في حدود مدينة أو إقليم بعينه.
فقد شكلت مناطق مثل أستروشانة وبخارى وسمرقند ودبوسية وفرغانة فضاء علميا وثقافيا واحدا مترابطا.
إن تلقي أبي جعفر الأستروشني العلم في أستروشانة ثم نشاطه في بخارى، وخروج أبي زيد الدبوسي من دبوسية واشتهاره في البيئة العلمية لبخارى، وارتباط علماء مثل البزدويين وقاضي خان الأوزجندي بهذه السلسلة، كلها أمثلة واضحة على هذا الحراك العلمي.
ومن هذا المنطلق، فإن ظاهرة "القضاة السبعة" لا تتعلق ببخارى وحدها، بل تكشف كيفية تشكل الفكر القانوني وتطوره في عموم ما وراء النهر.
الجذور التاريخية لتقاليد العدالة
شهدت ما وراء النهر خلال عصر النهضة الأولى والقرون التي تلته إنجازات بارزة في مختلف مجالات العلوم. وفي سياق هذا التطور، أسس الفقه والفكر القانوني أيضا دعائمهما العلمية الراسخة.
وتعد سلسلة "القضاة السبعة" إحدى المظاهر المهمة لهذه العملية.
وقد احتلت في حياتهم ومؤلفاتهم قضايا العدالة والنظام القانوني وتنظيم العلاقات بين الناس وحل النزاعات على أساس العلم مكانة بارزة.
ولهذا فإن دراسة تراث "القضاة السبعة" لا تقتصر على البحث في حياة شخصيات تاريخية فحسب، بل تتيح أيضا فهم كيفية تشكل الأسس العلمية لمفاهيم الثقافة القانونية والعدالة في آسيا الوسطى.
وفي الوقت الحاضر، تكتسب دراسة المخطوطات المتعلقة بهؤلاء العلماء دراسة معمقة، وإعادة بناء سلاسل شيوخهم وتلاميذهم، وإجراء تحليل مقارن للمعلومات الواردة في المصادر المختلفة، والتعريف بتراثهم العلمي على نطاق واسع أهمية كبيرة.
فإن "القضاة السبعة" في بخارى ليسوا مجرد تاريخ لحقبة أو مدينة بعينها، بل هم تجسيد بارز لتقاليد العدالة والعلم والفكر القانوني التي تشكلت في ما وراء النهر على مدى قرون.
مسلم أتاييف، دكتور في العلوم التاريخية (DSc)
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى رابط الموقع الرسمي للمركز


