تكية الأوزبك في إسطنبول: تاريخ يمتد لنحو ثلاثة قرون في ضوء أبحاث جديدة

ويتناول هذا الكتاب بصورة موسعة تاريخ هذه التكية التي كانت، على مدى نحو قرنين، محطة ومقرا مهما للحجاج القادمين من آسيا الوسطى عبر إسطنبول لأداء مناسك الحج، ولممثلي الطريقة النقشبندية، والشعراء والكتاب والمثقفين، وكذلك لمواطنينا الذين كانوا يسافرون لأغراض مختلفة.
محطة مهمة في طريق الحج
لا يمكن فهم تاريخ نشأة تكية الأوزبك بمعزل عن العلاقات التي أقامتها إسطنبول مع آسيا الوسطى خلال العهد العثماني. ففي تلك الفترة، كان أحد مسارات الحجاج القادمين من آسيا الوسطى إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة يمر عبر إسطنبول، حيث كانوا يمكثون في المدينة مدة معينة استعدادا للمرحلة التالية من رحلتهم.
وقد أصبحت تكية الأوزبك، التي أنشئت خلال عامي ١٧٥٢–١٧٥٣، محطة مهمة لهؤلاء الحجاج. فكان المسافرون يستريحون فيها، ويؤدون عباداتهم، ويستعدون لمواصلة الرحلة. ثم اتسعت وظائف التكية لاحقا، فأصبحت مقرا دائما للأوزبك المقيمين في إسطنبول ولممثلي الطريقة النقشبندية القادمين من آسيا الوسطى.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن التكية لم تكن مفتوحة للحجاج فحسب، بل كانت أيضا ملتقى لأهل العلم والمعرفة. فقد أقيمت فيها مجالس متنوعة، وحوارات علمية ومعرفية، وأمسيات شعرية وفعاليات ثقافية، كما استقبلت الضيوف والزوار. وبوجه عام، أدت الخوانق الأوزبكية في إسطنبول وظائف متعددة بوصفها أماكن لإقامة الزائرين القادمين من آسيا الوسطى، ومراكز للتعليم الديني والمعرفة، ومؤسسات ثقافية واجتماعية.
الطريقة النقشبندية والبيئة المعرفية
تحتل الطريقة النقشبندية مكانة خاصة في تاريخ تكية الأوزبك. ويتناول الكتاب، استنادا إلى مصادر أرشيفية، الأنشطة الصوفية في التكية، وسير شيوخها، ودورهم في الحياة الاجتماعية والمعرفية.
ولم تكن التكية مكانا للذكر والعبادة فحسب، بل تشكلت أيضا بوصفها بيئة معرفية يلتقي فيها المثقفون والشعراء والعلماء القادمون من آسيا الوسطى ويتبادلون الآراء. وكانت تعقد فيها مجالس وحوارات ونقاشات حول موضوعات مختلفة، كما استمرت فيها التقاليد الأدبية والمعرفية.
وتعكس المصادر المكتوبة المحفوظة في التكية أيضا اتساع نطاق هذه البيئة المعرفية. ومن ذلك نقش كتابي موجود في رواق الخانقاه، كتب سنة ١١٨٢هـ، الموافق ١٧٦٩م، باللغة الأوزبكية القديمة وبالخط العربي، ويعكس مكانتها بوصفها تكية نقشبندية.
معلومات جديدة حول تاريخ وقف التكية
من أبرز الإضافات العلمية المهمة في الكتاب إعادة النظر، استنادا إلى الوثائق الأرشيفية، في المعلومات المتعلقة بتاريخ وقف تكية الأوزبك ووضعها القانوني.
وقد أسفرت الدراسات عن توضيح بعض المعلومات التي وردت سابقا في الأدبيات العلمية. وعلى وجه الخصوص، تبين أن الاسم الكامل للشيخ عبدالله، الذي يذكر بوصفه أول شيوخ التكية، هو السيد الشيخ عبدالله أكبر أفندي بن أسدالله الأوزبكي.
وفي الوقت نفسه، أعيد النظر، استنادا إلى الوثائق الأرشيفية، في الرأي القائل بإنشاء وقف مستقل للتكية منذ الفترة الأولى لتأسيسها خلال عامي ١٧٥٢–١٧٥٣. ووفقا لنتائج الدراسات، أنشئ وقف مستقل لتكية الأوزبك سنة ١٧٨٨ على يد الحاج خليل آغا بن أحمد أفندي، ومن خلال ذلك جرى إضفاء الصفة القانونية الرسمية على التكية. وقد سجلت وثيقة الوقف التكية بوصفها خانقاها نقشبندية، وأشارت إلى أنها كانت في البداية تقدم خدماتها للدراويش القادمين من محلة قلندر خانة في مدينة سمرقند. ثم أدخلت لاحقا تعديلات على شروط الوقف، سمحت لغيرهم من دراويش الطريقة النقشبندية أيضا بالمبيت في التكية.
وتتيح هذه المعطيات فهم تكية الأوزبك لا بوصفها منشأة دينية فحسب، بل باعتبارها مؤسسة تاريخية كانت تعمل ضمن نظام قانوني واقتصادي واجتماعي محدد.
الشيوخ ومكانة التكية في الحياة الاجتماعية
يتناول الكتاب أيضا بصورة مستقلة المعلومات الأرشيفية المتعلقة بشيوخ التكية، والتي تكشف عن دورهم ليس فقط في حياة التكية، بل كذلك في تعزيز الروابط بين أبناء آسيا الوسطى المقيمين أو الوافدين إلى إسطنبول.
وتشير الوثائق الأرشيفية إلى أن علماء من بلاد ما وراء النهر طلبوا اللجوء إلى الدولة العثمانية سنة ١٧٩٧، وهم الشيخ عبدالرحيم، والشيخ حمزة، والشيخ محمد سليم، والشيخ عبدالكريم، وقد نزلوا مع مرافقيهم ضيوفا في تكية الأوزبك بأوسكودار. كما توجد وثائق من القرن التاسع عشر تشير إلى الدور الذي أداه شيخ التكية سليمان أفندي في دعم القادمين من آسيا الوسطى.
وتظهر مثل هذه الوثائق أن تكية الأوزبك لم تكن مجرد محطة لإقامة القادمين من آسيا الوسطى إلى إسطنبول، بل أدت أيضا دور مركز اجتماعي ومعرفي يجمعهم ويوثق الصلات بينهم.
النشاط الاقتصادي والثقافي
لم تغفل الدراسة الجوانب الاقتصادية للحياة الداخلية في التكية، إذ تناولت مقالات علمية مستقلة عمليات الإنتاج فيها، ودفاتر الحسابات، وأوجه النشاط الاقتصادي المختلفة بالتحليل والدراسة.
كما جرت دراسة النقوش المعمارية والكتابات التأسيسية والتراث الموسيقي والنماذج الفنية الموجودة في التكية. ويتيح ذلك دراسة تاريخ تكية الأوزبك لا باعتبارها منشأة دينية فحسب، بل بوصفها فضاء متعدد الجوانب يعكس الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في عصره.
وتتضمن بعض الوثائق الأرشيفية أيضا معلومات عن طلب تقدم به شيخ التكية سليمان أفندي لتوفير معدات صف الحروف وغيرها من المواد اللازمة لتعليم الطباعة، فضلا عن الأعمال المرتبطة بالزاوية التي أنشئت في جدة لخدمة حجاج بلخ وبخارى وقوقند وكاشغر.
دورها في حركة التحرر الوطني
يرتبط جانب مهم آخر من تاريخ تكية الأوزبك بدورها خلال فترة حركة التحرر الوطني في تركيا.
وتسلط الدراسات الواردة في الكتاب الضوء أيضا على مكانة التكية في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية وخلال حرب التحرر الوطني التركية. ومن بين ما تذكره المصادر أن مستشفى لجنود الجيش الوطني التركي أقيم في التكية سنة ١٩١٩.
وهكذا، فإن هذا المكان الذي كان في وقت ما محطة للحجاج والمسافرين، أصبح لاحقا شاهدا مباشرا على التحولات الاجتماعية والسياسية المعقدة التي شهدتها المنطقة.
الأهمية المعاصرة لتراث الأجداد
تكتسب تكية الأوزبك في سلطان تبه اليوم أهمية خاصة بالنسبة لأبناء وطننا الذين يزورون تركيا، بوصفها إرثا ثقافيا فريدا تركه لنا أجدادنا في الماضي القريب.
ويظهر تاريخ التكية أن الروابط الثقافية والمعرفية بين أوزبكستان وتركيا تعود إلى قرون طويلة سبقت بكثير المرحلة الحديثة من العلاقات بين البلدين. وقد تشكلت هذه الروابط من خلال الحجاج والعلماء والشيوخ والشعراء والمثقفين القادمين من آسيا الوسطى إلى إسطنبول، ولم تقتصر على الحياة الدينية، بل شملت أيضا الأدب والعلم والفنون والتجارة والعلاقات الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن دراسة تاريخ تكية الأوزبك لا تقتصر على البحث في مصير معلم تاريخي واحد، بل تكتسب أهمية كذلك لفهم الروابط الحضارية الممتدة التي جمعت بين آسيا الوسطى والعالم العثماني.
الدراسات التي يتضمنها الكتاب
يضم الكتاب قيد الإعداد مجموعة من المقالات العلمية المكرسة لمختلف جوانب تاريخ تكية الأوزبك. ومن بينها دراسة حسن دميرطاش بعنوان «التحليل الدبلوماسي والبنيوي لنظام وقف تكية الأوزبك في أوسكودار»، ودراسة أركان أوفوتش «معلومات أرشيفية عن شيوخ تكية الأوزبك»، ودراسة سربيل أوزجان «محطة المسافرين: تكية الأوزبك في سلطان تبه»، إضافة إلى بحث عمر فاروق جان حول أنشطة الإنتاج والنشاط الاقتصادي في التكية، ومقال عمر كوتشييغيت حول كتابات ونقوش التكية.
كما أثرى محتوى الكتاب بحث مروة كبرى إنجه حول دور تكية الأوزبك خلال حركات التحرر الوطني، وتحليل مليح صادق كوتشوكَر للوثائق الأرشيفية العائلية المتعلقة بنشاط الشيخ عطا والشيخ نجم الدين في التكية، إلى جانب دراسة سليمان أرغونار المكرسة للتراث الموسيقي لتكية الأوزبك.
ويتضمن الإصدار أيضا مقالا للأمين العلمي لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان رستم جباروف بعنوان «معلم أوزبكي في إسطنبول». ويتناول المقال الأهمية التاريخية للتكية، ومكانتها في حياة حجاج بيت الله الحرام وممثلي الطريقة النقشبندية، وصلاتها بآسيا الوسطى، فضلا عن أهميتها اليوم بوصفها جزءا من التراث الثقافي.
وبوجه عام، تهدف الدراسات التي يضمها هذا الكتاب إلى إعادة النظر في تاريخ تكية الأوزبك وإثرائه علميا وإدخال معلومات جديدة إلى التداول العلمي، بالاعتماد على مصادر متنوعة، منها الوثائق الأرشيفية، ووثائق الوقف، والرسائل، والسجلات، ومواد الأرشيفات الشخصية.
ويعكس إعداد مثل هذه الدراسات في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الاهتمام المتزايد، ضمن منصته العلمية والمعرفية الدولية، بتاريخ أوزبكستان وتراث الأجداد والمصادر التاريخية والثقافية المحفوظة في الخارج، وذلك على أساس مقاربات علمية حديثة.
دردانة رسولوفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى رابط الموقع الرسمي للمركز


