

الأخبار
كيف وصل إلينا مصحف عثمان المحفوظ تحت قبة يبلغ ارتفاعها ٦٥ مترا؟
يعرض في وسط قاعة القرآن الكريم بمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي شيد بمبادرة فخامة رئيس الجمهورية، مخطوط قرآني عريق يعود إلى القرن السابع الميلادي، وهو مصحف عثمان. غير أن الرحلة التي قطعها هذا المخطوط النادر حتى وصل إلى موقعه الحالي تمتد عبر نحو أربعة عشر قرنا من تاريخ تدوين القرآن الكريم، وتشمل مسارا تاريخيا معقدا يرتبط بسمرقند وسانت بطرسبورغ وأوفا وطشقند. ولإدراك هذا التاريخ، لا بد أولا من إلقاء نظرة على مراحل جمع القرآن الكريم لأول مرة في صورة مصحف.
القرن السابع: جمع القرآن الكريم في صورة مصحف
تم جمع القرآن الكريم في صورة مصحف على مرحلتين مهمتين. ففي حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصحابة يحفظون آيات القرآن الكريم، كما كان كتاب الوحي يدونونها على مواد مختلفة للكتابة. غير أنها لم تكن قد جمعت بعد في مصحف واحد.
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، استشهد عدد كبير من قراء القرآن في معركة اليمامة التي وقعت في عهد خلافة أبي بكر الصديق، مما عزز الحاجة إلى جمع نص القرآن الكريم في موضع واحد. ووفقا للحديث الذي رواه الإمام البخاري عن زيد بن ثابت، اقترح عمر بن الخطاب على أبي بكر جمع القرآن، فكلف زيد بن ثابت بهذه المهمة. فجمع زيد آيات القرآن الكريم بعد مقابلة المصادر المكتوبة بما كان محفوظا في صدور الصحابة. ونتيجة لذلك، جمع القرآن في صحف، أي في مجموعة من الصفحات. وقد حفظت هذه الصحف أولا عند أبي بكر، ثم عند عمر بن الخطاب، وبعده عند حفصة بنت عمر.
عهد عثمان بن عفان: النسخ الرسمية من المصحف
في عهد خلافة عثمان بن عفان اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وبدأت تظهر اختلافات في قراءة القرآن الكريم بين المسلمين في مختلف الأقاليم. ووفقا للحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك، شهد حذيفة بن اليمان أثناء حملات إرمينية وأذربيجان اختلافات في القراءة بين جنود الشام والعراق، فحذر عثمان بن عفان من ذلك.
بعد ذلك أمر الخليفة بإحضار الصحف المحفوظة لدى حفصة بنت عمر، وكلف لجنة ضمت زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بإعداد نسخ رسمية من المصحف. ثم أرسلت المصاحف التي أعدت إلى المراكز الكبرى في العالم الإسلامي. وهكذا، إذا كان القرآن قد جمع في موضع واحد في عهد أبي بكر، فإن نسخا رسمية من المصحف أعدت في عهد عثمان بن عفان اعتمادا على ذلك النص، ثم وزعت على مختلف الأقاليم الإسلامية.
تاريخ وصول المصحف إلى آسيا الوسطى
لا تزال مسألة الزمن والطريق اللذين وصل عبرهما المصحف إلى آسيا الوسطى على وجه التحديد موضوعا للبحث العلمي حتى اليوم. ووفقا للرواية الشائعة، نقل جدنا العظيم الأمير تيمور «مصحف عثمان» من العراق إلى سمرقند في القرن الرابع عشر. وبعد ذلك ظل هذا المخطوط النادر محفوظا بعناية وتبجيل لسنوات طويلة في مدرسة نادر ديوان بيغي بمدينة سمرقند.
عام ١٨٦٨: من سمرقند إلى سانت بطرسبورغ
تبدأ المرحلة التي يمكن تتبعها بصورة أوضح من خلال الوثائق في تاريخ مصحف عثمان منذ القرن التاسع عشر. ففي عام ١٨٦٨، وبحسب بعض المصادر في عام ١٨٦٩، نقل المصحف من سمرقند إلى سانت بطرسبورغ، حيث أودع أولا لدى وزارة المعارف العامة الروسية، ثم نقل لاحقا إلى مكتبة سالتيكوف-شيدرين.
عام ١٩٠٥: النسخ المصورة لمصحف عثمان
لم يقتصر وجود المصحف في سانت بطرسبورغ على حفظه فحسب، بل خضع أيضا للدراسة العلمية والنشر. وفي عام ١٩٠٥ أعدت منه ٥٠ نسخة مصورة طبق الأصل. وأصبح هذا الإصدار مصدرا مهما للباحثين الذين لم تتح لهم فرصة الاطلاع مباشرة على المخطوط القديم، إذ مكنهم من دراسة نصه وخصائص خطه.
بعد عام ١٩١٧: المطالبة بإعادة المصحف
بعد التحولات السياسية، أثار المجتمع الإسلامي مسألة إعادة المصحف القديم إلى حوزته. ونتيجة لذلك أخرج المخطوط من سانت بطرسبورغ، ونقل أولا إلى أوفا. وبعد ذلك اتجه مساره من جديد نحو تركستان.
عام ١٩٢٤: العودة إلى طشقند
في عام ١٩٢٤ أعيد مصحف عثمان إلى طشقند، وبدأ حفظ المخطوط في متحف الدولة لتاريخ أوزبكستان. وبذلك انتهت الرحلة التاريخية للمصحف التي استمرت قرابة نصف قرن عبر سمرقند — سانت بطرسبورغ — أوفا — طشقند.
عام ١٩٨٩: نقل المصحف إلى إدارة المسلمين
ظل المصحف محفوظا في مقتنيات المتحف لعدة عقود. وفي عام ١٩٨٩، وبموجب قرار صادر عن حكومة أوزبكستان، سلم المخطوط إلى إدارة مسلمي أوزبكستان. وفي ١٤ مارس ١٩٨٩، أعلن خلال المؤتمر الرابع للمسلمين الذي عقد في طشقند عن إعادة المصحف إلى حوزة المسلمين. وفي السنوات اللاحقة، حفظ في مدرسة موي مبارك ضمن مجمع حضرة الإمام.
الأعوام ١٩٩٦–٢٠٠٠: اعتراف اليونسكو
تحتل تسعينيات القرن العشرين مكانة خاصة في التاريخ الدولي لمصحف عثمان. ففي عام ١٩٩٦ قدمت أوزبكستان المخطوط لإدراجه في السجل الدولي لبرنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو. وفي عام ١٩٩٧ أدرج مصحف عثمان في هذا السجل الدولي. وفي ٢٨ أغسطس ٢٠٠٠ قدمت شهادة خاصة تؤكد هذا الاعتراف. وبذلك حظي المخطوط باعتراف دولي بوصفه تراثا تاريخيا مكتوبا ذا أهمية كبيرة.
عام ٢٠٠٧: نظام خاص للحفظ
بهدف حفظ المخطوط القديم وفقا للمتطلبات الحديثة، صدر في ٨ يونيو ٢٠٠٧ قرار مجلس وزراء جمهورية أوزبكستان رقم ١١٥. وتم جلب جهاز حماية خاص مصنوع في ألمانيا، وإنشاء نظام يتيح حفظ المصحف ضمن ظروف محددة من حيث درجة الحرارة والرطوبة. وقد شكل ذلك إحدى المراحل المهمة في ضمان الحفاظ على المخطوط على المدى الطويل.
١٣ نوفمبر ٢٠٢٥: مقر جديد
يمثل ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥ محطة مهمة أخرى في تاريخ مصحف عثمان. ففي ذلك اليوم نقل المخطوط من مدرسة موي مبارك في مجمع حضرة الإمام إلى مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، ووضع في واجهة عرض خاصة ومحمية داخل قاعة القرآن الكريم. ومنذ ذلك الحين، يعرض هذا الأثر النادر المرتبط بتاريخ يمتد لنحو أربعة عشر قرنا في قاعة القرآن بالمركز.
مصحف يتكون من ٣٣٨ ورقة
يتكون هذا المصحف اليوم من ٣٣٨ ورقة، ويبلغ قياس كل ورقة ٥٣ × ٦٨ سنتيمترا. وقد كتب نص القرآن الكريم على جلد الغزال بالخط الحجازي. ولم تستخدم في كتابة المخطوط الحركات أو النقاط، كما تضم كل صفحة ١٢ سطرا من النص. ومن أصل ١١٤ سورة في القرآن الكريم، لم تبق ٨٩ سورة محفوظة في هذا المصحف، بينما وصلت إلينا أجزاء من ٢٣ سورة أخرى. أما السورتان الوحيدتان المحفوظتان كاملتين فهما سورة الأنعام وسورة طه.
اليوم: المصحف تحت قبة بارتفاع ٦٥ مترا
يشعر زائر قاعة القرآن الكريم في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان منذ دخوله بعظمة المكان واتساعه. ويبلغ قطر القاعة المثمنة ٤٥ مترا، فيما تبلغ مساحتها الإجمالية ١٬٦٣٨ مترا مربعا. وعند رفع النظر إلى الأعلى تظهر القبة الضخمة التي يبلغ ارتفاعها ٦٥ مترا. وقد استخدم في زخارفها أكثر من ١ مليون و٦٠٠ ألف من بلورات سواروفسكي.
كما تعرض في القاعة تجربة خاصة للعرض الإسقاطي للقرآن الكريم باستخدام تقنيات الوسائط المتعددة الحديثة، حيث يجسد نزول القرآن الكريم بصورة مؤثرة وفنية من خلال تناغم الضوء والصورة والصوت. وفي قلب هذا الفضاء المهيب والرمزي، يوجد مصحف عثمان العائد إلى القرن السابع الميلادي.
١١٤ مخطوطا قرآنيا حول مصحف واحد
لا تقتصر مقتنيات قاعة القرآن الكريم على مصحف عثمان وحده، إذ يحيط بالمعروض المركزي ما مجموعه ١١٤ مخطوطا قرآنيا. ويحمل هذا العدد دلالة رمزية مهمة، فالقرآن الكريم يتكون من ١١٤ سورة. وتضم القاعة نسخا من المصاحف تعود إلى عصور السامانيين والقراخانيين والسلاجقة والغزنويين والتيموريين والشيبانيين. وهكذا لا يشاهد زائر القاعة مخطوطا قديما واحدا فحسب، بل يتعرف في مكان واحد على ثقافة تدوين القرآن الكريم وفن الخط وصناعة المخطوطات التي تطورت في آسيا الوسطى على مدى قرون.
ومن العناصر الفنية المهمة في قاعة القرآن الكريم السجاد الحريري الكبير المزدان بآيات من القرآن الكريم. وقد وضعت في الأقسام الأربعة المقوسة من القاعة ٨ قطع كبيرة من السجاد الحريري، نقشت عليها آيات مختارة من سور مختلفة من القرآن الكريم. وبذلك تتناغم العمارة وفن الخط والتراث المخطوط وتقنيات العرض المتحفي الحديثة في فضاء واحد. كما وضعت فوق السجاد ٨ شموس دائرية الشكل، كتب على كل واحدة منها دعاء خاص.
سرور شاروبوف
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى رابط الموقع الرسمي للمركز
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.