الأطفال في عالم العلم: من التراث التاريخي إلى الاكتشافات الحديثة

يقدم معرض الأطفال في مركز الحضارة الإسلامية الإرث العلمي للعلماء العظام إلى الجيل الناشئ من خلال التجارب التفاعلية والتقنيات الحديثة والبحث الإبداعي.
يعد معرض الأطفال في مركز الحضارة الإسلامية، الذي أنشئ بمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، فضاء علميا ومعرفيا يعرض التراث التاريخي وفق أساليب التعليم الحديثة. وفيه لا يكون الزائر الصغير مجرد متلق للمعلومات الجاهزة، بل يتحول إلى مشارك فاعل يطرح الأسئلة، ويجري التجارب، ويستخلص النتائج بصورة مستقلة.
يتمثل الهدف الرئيس للمعرض في إبراز إسهامات العلماء العظام الذين نشأوا في أرض أوزبكستان وآسيا الوسطى في تطور العلوم والثقافة العالمية، بأسلوب واضح ومؤثر يناسب الأطفال. ومن خلال ذلك، تتجلى الصلة الوثيقة بين المعارف التاريخية والعلوم والتقنيات الحديثة.
أسلوب جديد لفهم التاريخ
بني محتوى المعرض وفق مبدأ منطقي يقود الطفل من اكتساب المعرفة التاريخية إلى البحث والاستكشاف المستقل. ففي البداية يتعرف على حياة العلماء وبيئتهم العلمية واكتشافاتهم. ثم يطّلع، بمساعدة التقنيات الرقمية، على آرائهم وأفكارهم العلمية. وفي المرحلة التالية يختبر المفاهيم التي تعلمها من خلال الأجهزة التفاعلية والتجارب العملية.
يجسد الكتاب المضيء بعنوان «١٠٠١ اختراع من أوزبكستان إلى العالم»، وما يحيط به من رسوم متحركة وزخارف ورموز تاريخية، الفكرة الأساسية للمعرض. كما تسهم الأسئلة والمهام المعروضة على الشاشات اللمسية في تعزيز اهتمام الطفل بالموضوع، إلى جانب إعداده للانتقال إلى المراحل اللاحقة من البحث والإبداع العلمي.
من خلال الصور الرمزية التفاعلية يتعرف الزوار الصغار على حياة علماء عظام مثل الخوارزمي وأبي الريحان البيروني وأبي علي ابن سينا، واهتماماتهم، وأبحاثهم العلمية. ويجسد هذا الأسلوب الشخصيات التاريخية في تصور الطفل لا بوصفها صورا غامضة تنتمي إلى ماض بعيد، بل باعتبارها نماذج إنسانية ارتقت بالعلم من خلال حب المعرفة والبحث والمثابرة.
ويواصل الفيلم الكرتوني الذي تشارك فيه ناظمة الفضولية وصديقها حكيم المدعوم بالذكاء الاصطناعي هذه الفكرة نفسها. إذ تظهر رحلة البطلين عبر صفحات كتاب «١٠٠١ اختراع من أوزبكستان إلى العالم» أن الاكتشافات العظيمة تبدأ في كثير من الأحيان من سؤال بسيط، أو ملاحظة، أو دهشة.
من الفكرة العلمية إلى التجربة العملية
يعد «عالم الأفكار» الجزء العملي الرئيس في المعرض، ويضم أكثر من ١٥ جهازا تفاعليا ومنصة للتجارب تجمع بين العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون. ويتيح كل منها للطفل فرصة مشاهدة ظاهرة علمية محددة بصورة مباشرة، وتجربتها، ثم تحليل نتائجها.
على جدار الكرات المغناطيسية، يصمم الطفل مسار الحركة بنفسه، ثم يختبره ويغير الحل عند الحاجة. ويساعد دوار الماء وأنبوب الرياح على ملاحظة تدفق السوائل وضغط الهواء وتأثير الشكل في الحركة. أما من خلال جهاز الرافعة، فيتعرف الطفل عمليا على العلاقة بين القوة ونقطة الارتكاز والتوازن.
ويسهم التلسكوب الرقمي في توسيع معارف الأطفال حول النظام الشمسي والكواكب. ويواصل هذا الاتجاه، باستخدام وسائل التعليم الحديثة، التقاليد الفلكية العريقة المرتبطة بأسماء أحمد الفرغاني وميرزا أولوغ بيك وعلي قوشجي. وبهذه الطريقة يتعرف الطفل على النشاط العلمي لأسلافنا الذي قام على رصد الأجرام السماوية وإجراء القياسات الدقيقة.
تكشف وسائل مثل الغرافيتي الرقمي، وجدار الموسيقى، ومقياس الصوت، والظلال الملونة، والعروض الجماعية بالإسقاط الضوئي عن الصلة بين العلم والفن. ويتعرف الأطفال من خلالها على خصائص الصوت، وينسقون الألوان، ويبتكرون الزخارف والصور، ويشاركون في عملية إبداع جماعي.
وفي هذا السياق يرتبط التراث العلمي للعلماء بموضوعات محددة: الخوارزمي بالتفكير المنطقي والرياضي، وأحمد الفرغاني وميرزا أولوغ بيك بالرصد والقياس الفلكي، وأبو علي ابن سينا بجسم الإنسان والتفكير الطبي، وأبو نصر الفارابي بنظرية الموسيقى والصوت، أما إبداع كمال الدين بهزاد فيقدم من خلال اللون والزخرفة والفن التشكيلي.
التكامل بين المتحف والتعليم التفاعلي والاستكشاف الإبداعي
تتجلى الأهمية التربوية لمعرض الأطفال في نموذج التعلم المتعدد الجوانب الذي يقدمه. فالزائر يقرأ النصوص، ويتابع الصور والرسوم المتحركة، ويستمع إلى الأصوات، ويشغل الأجهزة، ويختبر فرضياته، ثم يحلل النتائج. ولا يقوم هذا النهج على مجرد حفظ المعلومات، بل على طرح الأسئلة، وملاحظة الأدلة، وإجراء التجارب، والتوصل إلى استنتاجات مستقلة.
كما أن تقديم محتوى المعرض باللغات الأوزبكية والروسية والإنجليزية يهيئ بيئة تعليمية مفتوحة للمجموعات المدرسية المحلية والعائلات والضيوف الأجانب. ويجمع هذا القسم، الذي يوحد بين التاريخ والتكنولوجيا الحديثة والتجربة العملية في فضاء واحد، بين خصائص العرض المتحفي، ومساحة التعليم التفاعلي، والورشة الإبداعية.
يواصل معرض الأطفال، من منظور الجيل الناشئ، الرسالة العلمية والمعرفية لمركز الحضارة الإسلامية الرامية إلى دراسة التراث التاريخي وحفظه وتقديمه إلى الجمهور بأساليب حديثة. ففي هذا المكان لا تبقى الأفكار العلمية للعلماء حبيسة واجهات المتحف، بل يعاد تقديمها من خلال الصور الرقمية، والنماذج المتحركة، والصوت، والألوان، والتجارب العملية.
ونتيجة لذلك، يتعامل الطفل مع تراث الأجداد لا باعتباره معرفة جاهزة تنتمي إلى الماضي فحسب، بل بوصفه منظومة من التفكير العلمي يمكن دراستها وتطويرها ومواصلة مسيرتها. وهذه هي الفكرة الأساسية للمعرض: إن مسار الفضول والملاحظة وطرح الأسئلة والبحث، الذي يقود إلى الاكتشافات العظيمة، مفتوح أمام كل طفل. ومن هذا المنطلق، فإن التراث العظيم ليس تاريخا منتهيا، بل أساسا راسخا لاكتشافات المستقبل.
شاهينا عليجونوفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الرابط الرسمي لموقع المركز


