نوقشت في المنصة العلمية والمعرفية الدولية لمركز الحضارة الإسلامية دراسة مكرسة لفن الكتاب في العصر التيموري

وخلال الاجتماع، جرى عرض ومناقشة أطروحة الباحثة في المركز مطلوبة رحمانقولوفا، المعدة لنيل درجة دكتور العلوم (DSc) في التاريخ ضمن تخصص ٢٤.٠٠.٠١ — «تاريخ الإسلام ودراسة المصادر»، بعنوان «تاريخ فن الكتاب الإسلامي ومصادره في العصر التيموري».
ويركز هذا البحث على دراسة شاملة لنشأة فن الكتاب الإسلامي وتقاليد صناعة الكتاب وتطورها وخصائصها المميزة في العصر التيموري. كما يتناول تحليل تقاليد إعداد المخطوطات وزخرفتها، ورعاية الحكام، ونشاط مكتبات القصور وورش صناعة الكتب، فضلا عن العمليات المرتبطة بعمل الخطاطين والمصورين والمزخرفين والمذهبين والمجلدين.
ومن الجوانب المهمة في البحث الدراسة المقارنة لتطور فن الكتاب في مراكز ثقافية كبرى مثل سمرقند وهراة وشيراز خلال العصر التيموري، وللعلاقات العلمية والثقافية المتبادلة بينها. وقد كشف المؤلف، إلى جانب الخصائص المميزة لبيئة صناعة الكتاب التي تشكلت في هذه المراكز، عن التقاليد العامة لفن الكتاب في العصر التيموري التي كانت تجمع بينها.
«في أطروحتنا، لم تدرس المخطوطات باعتبارها مجرد نصوص أو أعمال فنية، بل بوصفها مصادر مهمة تعكس البيئة الاجتماعية والثقافية لحقبة تاريخية معينة. وقد جرى تناول الكولوفونات والأختام وقيود الملكية الواردة في المخطوطات، وخصائص الخط، ونوع الورق، والعناصر الزخرفية، وكتلة الكتاب، والغلاف، بوصفها أدوات مهمة في علم المصادر لتحديد تاريخ إنشاء المخطوطات وحفظها ومسار انتقالها اللاحق»، قالت الباحثة مطلوبة رحمانقولوفا.
وأولى البحث اهتماما خاصا بدور الحكام والأمراء التيموريين في تطور فن الكتاب وصناعته. ومن ذلك تحليل المخطوطات التي تعود إلى عهدي السلطان حسين ميرزا وبايسنقر ميرزا، وما ارتبط بهما من مكتبات القصور وبيئة صناعة الكتاب. ويبين البحث أن رعاية الحكام كانت من العوامل المهمة في تطور منظومة إعداد الكتب وزخرفتها وحفظها.
كما تناول البحث بالتفصيل التحولات الأسلوبية التي شهدتها بيئة صناعة الكتاب في هراة، وعملية إثراء التقاليد الفنية فيها. وركز بشكل خاص على دخول بعض الأساليب التصويرية والزخرفية نتيجة للتواصل الثقافي بين بلدان الشرق، وعلى اندماجها مع التقاليد المحلية. كذلك جرى تحليل المعلومات المرتبطة بنشاط غياث الدين نقاش، الذي سافر إلى الصين في عهد بايسنقر ميرزا، من زاوية هذه التأثيرات الثقافية وعمليات الاستيعاب الإبداعي لها.
كما تشكل بيئة فن الكتاب والفنون التصويرية في هراة خلال عهد السلطان حسين بايقرا أحد المحاور المهمة في البحث. وقد تناولت الدراسة تشكل البيئة الفنية المرتبطة بإبداع مصورين مشهورين مثل كمال الدين بهزاد، إلى جانب دراسة تكامل الخط والتصوير والزخرفة وصناعة الكتاب في عملية إعداد المخطوطات.
أما التحليلات المتعلقة ببيئة صناعة الكتاب في شيراز، فقد أشارت إلى عدد من السمات، من بينها المخطوطات ذات الأحجام الأصغر نسبيا، وتنوع أشكال إطارات النصوص، وإعداد الكتب لتلبية احتياجات شريحة أوسع من القراء. كما دُرست عمليات صناعة الكتاب في عهدي إبراهيم سلطان وإسكندر سلطان، وإنشاء المجموعات والمجاميع الصغيرة الحجم، بوصفها من الخصائص المميزة لهذه البيئة.
وخلال المناقشة، جرى التأكيد على أن البحث لم يقتصر على ورش صناعة الكتاب في البلاط، بل أشار أيضا إلى وجود بيئات للكتاب كانت تلبي احتياجات الأسواق وشرائح أوسع من القراء. ويبين ذلك أن عملية صناعة الكتاب في العصر التيموري لم تكن محصورة في نطاق البلاط الحاكم، بل تطورت ثقافة الكتاب في ارتباط بمختلف الفئات الاجتماعية.
استُخدمت في الأطروحة مبادئ التاريخية والتحليل المقارن النقدي والمنهج الكوديكولوجي والموضوعية. واعتمد البحث، إلى جانب المؤلفات العلمية المنشورة في أوزبكستان، على دراسات العلماء الأجانب، وفهارس المخطوطات، والمعلومات المتعلقة بالمصادر المحفوظة في المجموعات الأجنبية.
ويكتسب توظيف المصادر والدراسات الأجنبية أهمية خاصة، إذ إن كثيرا من المخطوطات العائدة إلى العصر التيموري محفوظة اليوم في مكتبات ومتاحف ومجموعات مخطوطات في دول مختلفة. ولذلك تشكل الدراسات الأجنبية المكرسة لوصف هذه المخطوطات وفهرستها ودراستها مصدرا مهما لإعادة بناء تاريخ فن الكتاب في هذه المرحلة.
كما شمل البحث على نطاق واسع الأعمال العلمية لممثلي مدرسة علم المصادر والتأريخ المحلية. ومن بينها فهارس المخطوطات الشرقية ودراسات أ. أ. سيميونوف المتعلقة بمدرسة فن الكتاب في هراة خلال العصر التيموري، إلى جانب الأعمال العلمية ليوسوفوفا وجليلوفا ويولدوشيف وأخونجانوف وفوزيلة سليمانوفا، والتي أسهمت في تشكيل القاعدة المصدرية والتأريخية للأطروحة.
وخلال مناقشة المجلس العلمي، طُرحت أسئلة حول القاعدة المصدرية للبحث، ومنهجيته، والعلاقة المتبادلة بين بيئات صناعة الكتاب في سمرقند وهراة وشيراز، وأوجه الاختلاف بين صناعة الكتاب في البلاط والسوق، وكذلك مدى تحليل المخطوطات في الأطروحة بوصفها مصادر مباشرة.
وفي إجاباتها عن الأسئلة المطروحة، قدمت الباحثة مطلوبة رحمانقولوفا شرحا مفصلا لأهم استنتاجات الأطروحة، ومعايير اختيار المصادر، وخصائص المخطوطات التي أُدرجت ضمن نطاق الدراسة. وأُشير بوجه خاص إلى أن البحث لم يهدف إلى استيعاب جميع المخطوطات التي أُنتجت في العصر التيموري، بل التزم بمبدأ اختيار المصادر المرتبطة برعاية الحكام التيموريين بوصفها الموضوع الرئيس للتحليل العلمي.
وفي ختام المناقشة، قُدمت مجموعة من المقترحات والتوصيات الرامية إلى مواصلة تطوير الأطروحة وإثراء بعض الاستنتاجات والتحليلات العلمية.
وتعد هذه المناقشة العلمية أحد الاتجاهات المهمة في نشاط مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الهادف إلى دعم البحوث العلمية المتعلقة بتاريخ الحضارة الإسلامية، ودراسة التراث المخطوط والمادي وفق مناهج علمية حديثة، وتهيئة بيئة مفتوحة للحوار العلمي بين الباحثين.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر نشاط المجلس العلمي في المركز على مناقشة الأطروحات العلمية فحسب، بل يتجسد أيضا بوصفه منصة علمية ومعرفية تسهم في إعادة النظر في التراث العلمي المتعلق بتاريخ الحضارة الإسلامية وعلم المصادر، ودعم الدراسات الجديدة، والجمع بين الخبرات العلمية الوطنية والدولية في فضاء علمي واحد.


