

الأخبار
مشروع غير مسبوق في الممارسة العالمية: ١١٤ نسخة من القرآن الكريم ضمن فضاء بحثي علمي موحد
ينفذ مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان عددا من المشاريع البحثية الكبرى الهادفة إلى دراسة تاريخ الإسلام، وتراث المخطوطات، وعلم المصادر، والرقمنة، والآثار الثقافية، استنادا إلى المناهج العلمية الحديثة. وتتمثل السمة المشتركة لهذه المشاريع في عدم الاكتفاء بحفظ التراث التاريخي أو عرضه، بل إعادة دراسته بوصفه مصدرا أوليا، والكشف عن الروابط العلمية بين المواد المحفوظة بصورة متفرقة في مختلف المجموعات، وصياغة قضايا بحثية جديدة. ويعد مشروع «١١٤ قرآن» الذي ينفذه المركز أحد أكثر النماذج تفردا وأهمية من الناحية المنهجية في إطار هذا التوجه.
لا تقتصر جدة المشروع على جمع ١١٤ مصحفا نادرا في مكان واحد، بل تقوم فكرته العلمية الأساسية على عرض سور القرآن الكريم البالغ عددها ١١٤ سورة ضمن منظومة موحدة، من خلال ١١٤ نسخة تاريخية تنتمي إلى عصور ومناطق ومدارس مخطوطية مختلفة، ودراستها دراسة مقارنة.
ومن خلال ذلك يمكن تتبع الكيفية التي اتخذ بها النص المقدس نفسه أشكالا كتابية متنوعة على مدى نحو أربعة عشر قرنا وفي بيئات ثقافية مختلفة، ورصد ما طرأ من تحولات على أنماط الخط، وأنظمة الزخرفة، والمواد المستخدمة، وتقنيات صناعة الكتاب، وتقاليد الترجمة.
كما أن مقارنة المصادر الممتدة من تقاليد المخطوطات القرآنية المبكرة إلى عصور السامانيين والقراخانيين والسلاجقة والخوارزميين والقبيلة الذهبية والتيموريين والبابريين والصفويين وخانات تركستان ضمن مدونة واحدة، تجعل هذا المشروع يتجاوز إطار الفهرس التقليدي أو العرض المتحفي.
في إطار مشروع «١١٤ قرآن»، تدرس كل مخطوطة بوصفها مصدرا تاريخيا وعلميا مستقلا. ويتيح علم الخطوط القديمة دراسة خصائص الخط وتطور أساليب الكتابة، فيما يتيح علم الكوديكولوجيا تحليل الورق أو الرق المستخدم في المخطوطة، وأبعادها، وتجليدها، وبنيتها المادية، بينما تسهم دراسات الفنون في بحث مدارس التذهيب والزخرفة والتكوين، ويتيح علم اللغة التاريخي تحليل طبقات الترجمة والخصائص المعجمية. ومن خلال بيانات الخاتمة، والإهداءات، وقيود التملك، وغيرها من العلامات، يمكن إعادة بناء البيئة التي نشأت فيها المخطوطة، والتعرف على ناسخها، والجهة التي طلبت إعدادها، ومسار انتقالها في الفترات اللاحقة. ومن هذا المنطلق، لا يعد المصحف في هذا المشروع أثرا دينيا فحسب، بل يصبح في الوقت نفسه مصدرا متعدد الطبقات لدراسة التاريخ واللغة والفن وتقنيات صناعة الكتاب والروابط الثقافية.
ومن المسارات ذات الأهمية الخاصة في المشروع دراسة مخطوطات القرآن الكريم المصحوبة بترجمات بين السطور إلى اللغتين التركية والفارسية. وعلى وجه الخصوص، تقدم النسخ المترجمة المرتبطة بالبيئة القراخانية والخوارزمية مادة مهمة لا لدراسات القرآن فحسب، بل لعلم اللغة التاريخي أيضا. فالمدونات المعجمية والصيغ النحوية وأساليب الترجمة المحفوظة فيها تتيح دراسة المراحل المبكرة للغة التركية المكتوبة، وكيفية انتقال المفاهيم الإسلامية إلى البيئة اللغوية المحلية، والتطورات اللغوية اللاحقة. وبذلك يظهر مشروع «١١٤ قرآن» لا بوصفه مشروعا لتاريخ المخطوطات فقط، بل منصة علمية واسعة لدراسة التفاعل بين الفكر الديني واللغة وثقافة الكتاب في آسيا الوسطى.
ومن الخصائص المهمة الأخرى لهذا البحث ارتباطه بجغرافية المصادر الدولية. فالكثير من مخطوطات القرآن الكريم النادرة المرتبطة بأوزبكستان وبلاد ما وراء النهر التاريخية محفوظة اليوم في مجموعات كبرى للمتاحف والمكتبات في إسطنبول وباريس ولندن ودبلن ومشهد ونيويورك وغيرها من المدن. ولهذا لا يعتمد المشروع على مكان حفظ المخطوطة حاليا بوصفه المعيار الأساسي، بل ينطلق من أصلها، وبيئتها العلمية والثقافية التي نشأت فيها، وتقاليد الخط التي تنتمي إليها، وروابطها التاريخية.
وقد جمع المشروع علماء ومتخصصين من أوزبكستان وفرنسا وتركيا والنمسا في مجالات الدراسات القرآنية، وعلم المخطوطات، وعلم الخطوط القديمة، والفن الإسلامي، ضمن فريق علمي موحد. وبمشاركتهم، تمت مراجعة البيانات العلمية والصور الرقمية المتعلقة بأكثر من ١٠٠٠ مصحف نادر محفوظ في مختلف متاحف ومكتبات العالم، واختيار نماذج تتميز بأهمية عالية من النواحي التاريخية والنصية والفنية. ويتيح هذا التعاون الدولي إجراء دراسة مقارنة للمصادر المتعلقة بالمخطوطات المحفوظة بصورة متفرقة في بلدان مختلفة، استنادا إلى منهجية علمية موحدة.
تتجسد النتائج العلمية للمشروع أيضا في قاعة القرآن الكريم بمركز الحضارة الإسلامية. ففي هذا الفضاء، الذي يحتل فيه مصحف سيدنا عثمان مكانة مركزية، يتيح عرض نسخ القرآن الكريم المنتمية إلى عصور مختلفة وفق تسلسل تاريخي للزائر فرصة أوسع من مجرد مشاهدة نماذج نادرة منفردة، إذ يمكنه إدراك تطور ثقافة كتابة المصحف عبر القرون بوصفه مسارا تاريخيا متكاملا.
ومن هذا المنطلق، يجسد مشروع «١١٤ قرآن» بوضوح النموذج العلمي لمركز الحضارة الإسلامية، حيث تدمج عمليات البحث عن المصادر المنتشرة في مجموعات العالم، وتحديدها، وتحليلها تحليلا مقارنا، ووصفها علميا، ورقمنتها، وتقديمها للجمهور من خلال تفسير متحفي معاصر، ضمن عملية بحثية موحدة.
وتكمن الفرادة الحقيقية للمشروع في هذا الجانب تحديدا، إذ لا يتم جمع ١١٤ مخطوطة في مكان واحد فحسب، بل توحيدها حول فكرة علمية واحدة ونظام بحثي متكامل.
شاهينا عليجانوفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الرابط الرسمي لموقع المركز
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.