الأهمية التاريخية والثقافية والمتحفية لنماذج المنسوجات الصغدية

وتعد المنسوجات الصغدية من أبرز المصادر المادية لدراسة تاريخ آسيا الوسطى في بدايات العصور الوسطى والعمليات الثقافية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة. وتؤكد المواد الأثرية والمصادر المكتوبة والرسوم الجدارية أن منتجات النسيج كانت مستخدمة على نطاق واسع في المدن الصغدية. وعلى وجه الخصوص، تظهر في الرسوم الجدارية المحفوظة في مواقع بنجيكند وأفراسياب وورخشة ملابس مزينة بأقمشة متعددة الألوان وغنية بالزخارف. وتتيح هذه المصادر البصرية فهم أن النسيج في المجتمع الصغدي لم يكن مجرد مادة للاستخدام اليومي، بل كان أيضا وسيلة للتعبير عن المكانة الاجتماعية والذوق الجمالي والهوية الثقافية. وتشير الدراسات العلمية إلى وجود استخدام للأقمشة الحريرية وممارسة إنتاج بعض أنواع المنسوجات في البيئة الصغدية.
من السمات المهمة لثقافة النسيج الصغدية ما تتميز به الأقمشة من نظام زخرفي وتركيبي معقد. وتكثر في هذه الأقمشة صور الحيوانات والطيور، والعناصر النباتية، والوريدات، والدوائر اللؤلؤية، إضافة إلى الصور الحيوانية المزدوجة الموضوعة داخل دوائر. وعلى وجه الخصوص، كان أسلوب وضع صور حيوانين متقابلين داخل ميداليات لؤلؤية من أبرز الزخارف الفنية الشائعة في فن النسيج الأوراسي خلال بدايات العصور الوسطى. وقد أشير أيضا إلى وجود نماذج نسيجية ضمن مجموعة المتحف البريطاني تظهر فيها صور الوعول الجبلية أو الغزلان المتقابلة حول عنصر شجري، داخل دوائر لؤلؤية.
وقد يكون تفسير هذه الأنظمة الزخرفية باعتبارها تقليدا فنيا محليا خاصا بمنطقة واحدة فقط منهجا محدودا من الناحية العلمية. إذ تتقاطع بعض العناصر التركيبية في المنسوجات الصغدية مع نماذج من البيئة الفنية في إيران الساسانية والصين ومناطق أخرى من آسيا الوسطى. كما أن تصوير الأقمشة العائدة إلى القرون من السادس إلى الثامن الميلادي في رسوم أفراسياب الجدارية، بما في ذلك التراكيب الميدالية المزينة بصور الحيوانات، يمثل دليلا بصريا مهما لدراسة صلات الصغد بالبيئة الفنية الأوراسية الواسعة. غير أن التشابه الزخرفي وحده لا يكفي لتحديد المنشأ الجغرافي للنسيج أو مركز إنتاجه بصورة قاطعة. ولذلك ينبغي في عملية النسبة والتأريخ الجمع بين التحليل الفني والأسلوبي من جهة، والدراسات التقنية والمادية والبيانات الأثرية من جهة أخرى.
يكتسب التركيب التقني للنسيج أيضا أهمية تشخيصية كبيرة في الدراسة العلمية للمنسوجات الصغدية. ويشمل ذلك تحليلا متكاملا لنوع الألياف، ودرجة برم الخيوط واتجاهها، ونسبة خيوط السدى إلى اللحمة، وكثافة النسيج، وبنية الحياكة، وخصائص استخدام الخيوط الملونة، إلى جانب تقنيات تصنيع القماش. فعلى سبيل المثال، سُجل في بعض الأقمشة الحريرية ذات «الأسلوب الصغدي» المحفوظة في مجموعة المتحف البريطاني استخدام تقنية weft-faced compound twill، أي النسيج المركب المائل ذي الوجه اللحمي، كما أُشير في بعض النماذج إلى استخدام سدى من الحرير وخيوط باللون الأحمر والأخضر والأبيض والبني.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى النظام اللوني للنسيج لا باعتباره عاملا مستقلا، بل جزءا من منظومة متكاملة لتحديد الخصائص والأصل. فاللون وحده لا يحدد المنشأ الجغرافي للقماش، غير أن تركيب المادة الصباغية، وخصائص نفاذها إلى الألياف، وأساليب المعالجة التقنية، عند دراستها إلى جانب التحليل المادي، قد توفر معلومات عن أنواع معينة من المواد الخام وتقاليد الإنتاج. ولذلك تكتسب نتائج الدراسات المخبرية، إلى جانب السمات البصرية الخارجية، أهمية خاصة في التفسير العلمي للقطع المتحفية.
تتجلى الأهمية التاريخية للمنسوجات الصغدية أيضا في ارتباطها بحركة السلع والتقنيات والأفكار الفنية في إطار طريق الحرير العظيم. وتشير الدراسات إلى أن التجار والجماعات الصغدية كانوا ناشطين في مناطق واسعة من أوراسيا، وأن السلع والتقنيات والأفكار الفنية انتقلت عبرهم من آسيا الوسطى إلى الصين ومنها نحو الغرب. ولذلك، فإن دراسة نماذج المنسوجات الصغدية تقتضي مراعاة ليس مكان إنتاج النسيج فحسب، بل أيضا مسار انتقاله، وبيئة استهلاكه، وعمليات التبادل والانتقال الثقافي المرتبطة به.
وتكمن القيمة العلمية لنماذج المنسوجات الصغدية المعروضة في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان ليس فقط في قدمها أو زخارفها الفنية، بل أيضا في ما تتيحه من إمكانية دراسة طبقات متعددة من الثقافة المادية ضمن قطعة واحدة، بما يشمل التكنولوجيا، والمواد الخام، والأسلوب الفني، والمكانة الاجتماعية، والتجارة، والعلاقات الثقافية. ومن شأن تفسير هذه المنسوجات في المعرض المتحفي وفق هذا النهج المتكامل أن يتيح تقديمها لا باعتبارها مجرد «أقمشة قديمة»، بل بوصفها قطعا متحفية ومصادر تاريخية تعكس الروابط الثقافية والتكنولوجية بين الحضارة الصغدية وحضارات أوراسيا.
ديلوروم تشورييفا
دكتورة الفلسفة في العلوم التاريخية (PhD)
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز


