إرث علمي يتطلع إلى المستقبل

نادرا ما يقتصر تاريخ العلم على تاريخ الاكتشافات وحدها. فخلف أسماء العلماء وعناوين المؤلفات والجداول الفلكية تقف المؤسسات، والممارسات التعليمية، وأنظمة الرعاية، ولغات التواصل العلمي، وأخيرا موقف المجتمع من المعرفة. ولذلك فإن قضية التراث العلمي لآسيا الوسطى لم تعد اليوم مسألة تتعلق بالماضي فحسب، بل أصبحت بالنسبة إلى أوزبكستان الحديثة تتحول بصورة متزايدة إلى قضية تتعلق بالمستقبل.
خلال السنوات الأخيرة، تشكل في بلادنا نظام للسياسة الحكومية ينظر إلى تطوير التراث التاريخي والعلمي والتعليم والعلوم ورأس المال البشري والابتكار بوصفها مجالات مترابطة. وينص مفهوم تطوير العلوم حتى عام ٢٠٣٠ على تحديث البنية التحتية العلمية، وإعداد الباحثين الشباب، وتعزيز النشاط العلمي والابتكاري. ومن جانبها، تدرج استراتيجية «أوزبكستان — ٢٠٣٠» تنمية القدرات البشرية والتعليم والعلوم وغيرها من المجالات ضمن منظومة من الأهداف الوطنية طويلة الأمد والقابلة للقياس.
ومن هذا المنظور، يعد مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان مثالا بالغ الأهمية. فقد أنشئ هذا المركز بمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف، ويعمل بوصفه مركزا علميا ومعرفيا دوليا يجمع بين التقنيات الرقمية الحديثة والبحوث العلمية وبين التراث الثقافي لما قبل الإسلام والعصر الإسلامي. وعلى هذا النحو تبرز مسألة جديدة من حيث المبدأ: هل يمكن للتراث التاريخي أن يتحول من مجرد موضوع للحفظ والفخر الوطني إلى مورد يسهم في تشكيل ثقافة المعرفة، ورأس المال البشري، واستراتيجية تنمية الدولة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تجاوز إطار السرد التقليدي عن «الأجداد العظماء». فما الذي ينبغي أن نستخلصه تحديدا من التراث العلمي من دروس وعبر: أهي معارف وأسماء واكتشافات بعينها، أم ثقافة أعمق في إنتاج المعرفة ونقلها وتطبيقها؟
آسيا الوسطى — فضاء لحركة المعرفة
من الأخطاء الراسخة التي ترد في التصورات الشائعة عن علوم العصور الوسطى النظر إليها بوصفها مجموعة من الإنجازات الوطنية المنفصلة. غير أن تاريخ الثقافة الفكرية في آسيا الوسطى يكشف عن صورة مختلفة تماما. فلا يمكن تفسير النهضة العلمية بصيغة بسيطة مفادها أن «العباقرة ظهروا». فقد كان ظهور علماء مثل الخوارزمي والبيروني وابن سينا وعلماء العصور اللاحقة يتطلب وجود بيئة تتيح انتقال المعارف وترجمتها ومناقشتها ونقدها ونقلها إلى الأجيال التالية.
ولهذه الحقيقة أهمية مباشرة أيضا في العصر الحديث. فإذا كانت العلوم قد تطورت في الماضي بفضل بنية تحتية للمعرفة، فإن النهوض العلمي الوطني في العصر الحديث لا يمكن أن يتحقق كذلك من دون بنية تحتية تشمل الجامعات والمختبرات والمكتبات والأرشيفات وقواعد البيانات الرقمية ومراكز البحوث والعلاقات الدولية وأنظمة إعداد الباحثين الشباب.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التجربة التاريخية لآسيا الوسطى بوصفها مادة تاريخية للإجابة عن بعض الأسئلة المهمة: كيف تتشكل الظروف الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل المجتمع قادرا على إنتاج معرفة جديدة؟ وكيف يؤثر التراث التاريخي في التنمية البشرية؟
من الذاكرة التاريخية إلى رأس المال البشري
ينبغي التأكيد على أن مجرد معرفة سير الأجداد العظماء لا تصنع العلماء. فمعرفة اسم أولوغ بيك لا تعني بالضرورة ممارسة علم الفلك. والافتخار بابن سينا لا يعني قراءة البحوث والمقالات العلمية. كما أن الاعتزاز بالبيروني لا يضمن امتلاك مهارة التعامل النقدي مع المصادر. ولذلك من المهم الانتقال من تمجيد النتائج إلى ترسيخ ثقافة المنهج.
ولا ينبغي أن نكتفي بتلقين الشباب أن «البيروني كان عالما عظيما»، بل يجب أن نوضح لهم كيف كان يجري أبحاثه.
ولا ينبغي الاكتفاء بالقول إن «أولوغ بيك أنشأ مرصدا»، بل من الضروري إيجاد إجابة عن سؤال: «لماذا يحتاج المجتمع إلى العلوم الأساسية؟». وهذه مسألة تتعلق باستراتيجية التعليم. وفي إطار هذا النهج، تتحول الذاكرة التاريخية إلى وسيلة تستخدم الفخر لا بوصفه غاية نهائية، بل بوصفه مدخلا إلى النشاط الفكري.
من الأسماء العظيمة إلى ثقافة التفكير العلمي
غالبا ما يتجسد التراث العلمي في الوعي العام في صور الشخصيات العظيمة. فالخوارزمي يرتبط بالرياضيات والخوارزميات، وابن سينا بالطب والفلسفة، والبيروني بالعلوم الطبيعية ودراسة الثقافات، بينما يرتبط تراث أولوغ بيك بعلم الفلك. غير أن هذا وحده لا يكفي لفهم التراث من منظور استراتيجي.
لنأخذ أبا الريحان البيروني مثالا. تصفه مصادر Encyclopaedia Iranica بأنه عالم موسوعي كبير عمل في مجالات متعددة، منها الرياضيات والفلك والجغرافيا وعلم المعادن وعلم الأدوية والتاريخ وتاريخ الأديان. ومن الجوانب المهمة أيضا أنه درس في نشاطه الفكري، إلى جانب العلوم العربية، التراث الرياضي والفلكي اليوناني.
أما تعامله مع الهند فيحمل دلالات أكثر أهمية. وتبين الدراسات الحديثة أن البيروني اكتسب معارفه عن علم الفلك الهندي، بما في ذلك من خلال الترجمات العربية للنصوص المكتوبة باللغة السنسكريتية.
ومن هذا المنظور، فإن البيروني بالنسبة إلى القرن الحادي والعشرين ليس مجرد «عالم عظيم خرج من خوارزم». بل إنه يجسد نمطا معينا من السلوك البحثي. فقد أصبح البيروني نموذجا للسعي إلى دراسة ثقافات الآخرين وفق معايير فكرية واعية، ومقارنة النظم المعرفية المختلفة، والملاحظة والوصف، والتحليل النقدي للمصادر، واعتماد المنهج متعدد التخصصات. ومن ثم فإن الانتفاع بتراث البيروني لا يعني تكرار استنتاجاته، بل الحفاظ على القدرة على دراسة المجهول دون التخلي عن التفكير النقدي.
أولوغ بيك ومبدأ بالغ الأهمية لا يزال شديد الصلة بواقعنا المعاصر
ولا تقل تجربة ميرزا أولوغ بيك أهمية عن ذلك. فقد أنشأ في سمرقند مرصدا أصبح واحدا من أشهر المنشآت العلمية في تاريخ المنطقة. ويصفه متحف المتروبوليتان للفنون بأنه دليل بارز على اهتمام أولوغ بيك بالعلم وعلم الفلك.
غير أن أهمية أولوغ بيك لا تقتصر على مبنى المرصد أو نتائج الرصد الفلكي. وتبين Encyclopaedia Iranica أن تنقل العلماء بين المراكز العلمية المختلفة أسهم في انتشار المعرفة لاحقا. فقد كان علي قوشجي من بين العلماء المرتبطين بمرصد سمرقند، وبعد وفاة ميرزا أولوغ بيك واصل نشاطه العلمي في مراكز فكرية أخرى، من بينها تبريز وإسطنبول، وهو ما يمثل دليلا واضحا على ذلك. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى مرصد أولوغ بيك، بلغة العصر الحديث، بوصفه نموذجا تاريخيا للبنية التحتية العلمية وللمدرسة العلمية.
ومن الجدير بالذكر أن هذا النهج يجعل القضية لا تقتصر على مدى عظمة الاكتشافات التي تحققت في الماضي، بل تمتد إلى أسئلة من قبيل: من الذي هيأ الظروف للعلماء؟ وكيف كان العلم يمول؟ وأين كان المتخصصون يتلقون إعدادهم؟ وكيف كانت النتائج العلمية تنشر؟ وماذا كان يحدث للمدرسة العلمية بعد تغير مستوى الدعم السياسي لها؟ فهذه الأسئلة تظل شديدة الصلة بواقعنا المعاصر أيضا.
وفي هذا تكمن الدلالة الحقيقية الكامنة وراء فكرة الرئيس شوكت ميرضيائيف بإنشاء مركز الحضارة الإسلامية. فالمفهوم الرسمي لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يتجاوز مبدأ المتحف التقليدي، إذ يتبنى دورا أوسع بوصفه فضاء للبحث العلمي. ومن هذا المنظور، يكتسب المركز أهمية كبيرة لا باعتباره مؤسسة لحفظ التاريخ فحسب، بل بوصفه فضاء علميا وبحثيا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. أي إن هذه المهمة تكتسب أهمية خاصة بوصفها وظيفة مؤسسية.
ذلك أن المتحف التقليدي يجيب عادة، في المقام الأول، عن سؤال: «ماذا حدث؟». أما مركز البحوث فيطرح سؤال: «كيف حدث ذلك؟». ويسأل المركز التعليمي: «ماذا يمكن أن يعلمنا ذلك؟». بينما تتوجه المؤسسة الاستراتيجية بالسؤال: «كيف يمكن للمعرفة المكتسبة أن تغير المستقبل؟».
يسعى مركز الحضارة الإسلامية إلى الجمع بين هذه الأسئلة الأربعة. فهو يمثل منظومة تجمع بين عدة وظائف في آن واحد. إذ يتكامل فيه المتحف والمكتبة وخزانة المخطوطات ومركز البحوث والفضاء التعليمي والمنصة الرقمية والمنتدى الدولي. وليس من المبالغة القول إن هذا التعدد الوظيفي ينسجم مع النموذج الحديث لاقتصاد المعرفة.
وعلى وجه الخصوص، يضم المركز مكتبة تزيد مساحتها على ٣١٠٠ متر مربع، ومخصصة لنحو ٣٠٠ من الطلاب والباحثين، وتحتوي على منشورات نادرة ومجموعات قيمة ورصيد إلكتروني ضخم.
ولا يقدم المركز لزواره مجرد مجموعة من المعروضات، بل يطرح أمامهم منطقا محددا للزمن التاريخي يقوم على تسلسل: الحضارة – المعرفة – النهضة الثقافية – الحداثة – المستقبل.
الخلاصة
في القرن الحادي والعشرين، لا يمكن فهم التراث الوطني على أنه مجرد مجموعة من الآثار والمخطوطات وأسماء الأجداد العظماء. فقيمته الحقيقية تتحدد بما يولده اليوم من تأثير وحركة.
فإذا اقتصر دوره على إثارة الشعور بالفخر، فإنه يبقى مجرد ذاكرة. وإذا تحول إلى موضوع للبحث العلمي، أصبح معرفة. وإذا أدخل في العملية التعليمية، تحول إلى رأس مال بشري. وإذا أسهم رأس المال البشري في إنتاج معرفة جديدة، أصبح التراث موردا للتنمية.
ولذلك ينبغي النظر إلى التوجه المعاصر في أوزبكستان نحو التراث العلمي لا بوصفه حملة جديدة للتعريف بالتاريخ ونشره، بل باعتباره جزءا من عملية أوسع تهدف إلى بناء الصلة بين الذاكرة الحضارية وسياسات المعرفة الحديثة.
ويجسد مركز الحضارة الإسلامية هذا التحول بصورة واضحة على نحو خاص. إذ تتمثل مهمته الرسمية في ربط التراث التاريخي بالبحث العلمي والتعليم والتقنيات الرقمية والحوار العلمي الدولي. كما ينظر إلى المركز بوصفه جسرا يربط بين الماضي وأوزبكستان الجديدة.
غير أن النتيجة النهائية لهذه السياسة لن تتوقف على حجم المباني أو عدد المعروضات، بل ستعتمد على القدرة على تشكيل ثقافة جديدة في التعامل مع المعرفة؛ ثقافة يصبح فيها الباحث والمؤرخ ومهندس المستقبل، وخبير المخطوطات ومبرمج الذكاء الاصطناعي، والمؤرخ والمتخصص في التكنولوجيا الحيوية، جميعا مشاركين في مشروع وطني واحد.
وفي هذا السياق، تكتسب صيغة «النهضة الثالثة» مضمونا واضحا. فلا يمكن بناؤها بمجرد استحضار النهضتين الأولى والثانية، كما لا يمكن «تكرار» البيروني أو أولوغ بيك أو ابن سينا. لكن يمكن بناء مجتمع يحظى فيه البحث العلمي والتعليم والحرية الفكرية والمنهج متعدد التخصصات والقدرة على توظيف المعرفة لخدمة المجتمع بتقدير رفيع.
وعندئذ، لن يعود السؤال الأساسي أمام سياسة التراث الوطني هو: «ماذا ترك لنا أجدادنا؟»، بل سيتحول إلى سؤال أكثر مسؤولية.
وسيكون هذا السؤال على النحو الآتي: «ماذا سنفعل بالتراث الذي تركوه لنا، وما الإرث الفكري الذي سنتركه نحن للأجيال التي ستأتي من بعدنا؟». وعند هذه النقطة تحديدا، تتحول دراسة الماضي إلى استراتيجية للمستقبل.
أبوالفيض سيدأسقاروف
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز


