خبراء المكتبات الروس يطلعون على تجربة التكامل بين المتاحف والمكتبات في أوزبكستان
يعد الحفاظ على التراث التاريخي ودراسته علميا ونقله إلى الأجيال الجديدة بأسلوب واضح وميسر من المهام الأساسية التي تجمع بين المتاحف والمكتبات. وقد ركزت زيارة وفد من خبراء المكتبات الروس إلى مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان على تبادل الخبرات في تنفيذ هذه المهام، والتعرف على الخدمات المكتبية الحديثة، وبحث سبل التعاون العلمي والثقافي والتعليمي الدولي.
وفي إطار برنامج التطوير المهني «المكتبة في حياة الإنسان المعاصر: تجربتا روسيا وأوزبكستان»، الذي يقام في أوزبكستان خلال الفترة من ٣ إلى ١١ أكتوبر، زار مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان وفد يضم عددا من مديري المكتبات الروسية والمتخصصين العاملين فيها.
وترأست الوفد، الذي ضم ممثلين عن مدن سانت بطرسبورغ وموسكو ويكاترينبورغ وتيومين وأورينبورغ وتومسك، سفيتلانا غوروخوفا، عضو مجلس إدارة جمعية المكتبات الروسية ورئيسة قسم التعاون الدولي بالجمعية. ويهدف البرنامج إلى توسيع نطاق التواصل المباشر بين المكتبات، وتبادل الخبرات في المشاريع العلمية والنشرية والتثقيفية، فضلا عن رفع الكفاءة المهنية للمتخصصين.
في مستهل الزيارة، اطلع الضيوف على المعارض المتحفية لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي أنشئ بمبادرة من الرئيس شوكت ميرضيائيف. وقد أثارت أقسام المعرض المخصصة لحضارات ما قبل الإسلام، وعصري النهضة الأول والثاني، وأوزبكستان الجديدة، إلى جانب نماذج التراث النادرة المعروضة في قاعة القرآن الكريم، اهتماما كبيرا لدى أعضاء الوفد.
وخلال الجولة، استقطبت التقنيات الحديثة المستخدمة في عرض المقتنيات التاريخية والمخطوطات، والحلول التفاعلية التي تشجع الزائر على البحث والاستكشاف الذاتي، اهتمام الضيوف بشكل خاص. وأكدوا أن هذا النهج لا يقتصر على مجرد مشاهدة التاريخ، بل يتيح فهمه والتعمق فيه والتعرف عن كثب على التراث الثقافي.
إيرينا ميخنوفا، نائبة رئيس جمعية المكتبات الروسية، ومديرة المركز الروسي لتنمية الكفاءات المهنية للعاملين في المكتبات:
«يقدم المركز التراث التاريخي على أسس علمية رصينة، ويتجلى ذلك في النصوص المعروضة والمقتنيات التاريخية على حد سواء. كما أن أسلوب تقديم المعلومات التاريخية يتناسب مع اهتمامات الشباب وطريقة استيعابهم. وهنا نرى أساسا تاريخيا متينا يمتزج بأساليب عرض بصرية مؤثرة. وعندما كنت في موسكو، تساءلت عن آفاق التعاون الممكنة بين مكتبة الشباب ومكتبة هذا المركز. ولكن بعد أن اطلعت على المتحف والمكتبة، أدركت كم سيكون رائعا لو أتيحت لشبابنا فرصة زيارة هذا المكان. ولعل هذا هو أهم ما يمكن أن يجمعنا: أن يتعرف شباب روسيا وشباب العالم أجمع على هذا التراث».
وأكدت رئيسة الوفد سفيتلانا غوروخوفا أن المركز يجمع بين احترام التاريخ والقدرة على تقديمه للعالم بصورة تليق بمكانته، قائلة:
«إن تعاملكم مع تاريخكم بكل هذا الاحترام والتقدير، وقدرتكم على تقديمه للعالم أجمع، أمر يستحق بالغ الاحترام. وقد أعجبنا كثيرا استخدامكم أساليب تفاعلية حديثة للحفاظ على التراث العريق وتقريبه من الناس. فالمهمة الأساسية للمؤسسات الثقافية هي نقل تراث الأجداد إلى الأجيال الجديدة من خلال الحوار والتفاعل. وعندما يتعرف الإنسان على التاريخ بصورة تفاعلية ويشارك في عملية استكشافه ودراسته، يبدأ في الشعور بقرب هذا التراث منه وارتباطه به. ومما يبعث على السرور بشكل خاص أن رئيس البلاد يولي هذا العمل اهتماما كبيرا. فلكم جزيل الشكر على ذلك».
من جانبها، أعربت رايسا بانكوفا، مديرة نظام المكتبات المركزي في منطقة فيبورغ بمدينة سانت بطرسبورغ، عن أن زيارتها للمركز فاقت جميع توقعاتها، قائلة:
«لقد كنت أنتظر افتتاح هذا الصرح الفريد بفارغ الصبر، وما شاهدته هنا فاق جميع توقعاتي. لقد بذلت جهود هائلة في إنجاز هذا المشروع. وفي كل قاعة يمكن للزائر أن يستشعر حب الوطن والاعتزاز بتاريخه. وقد أدهشني هذا التناغم الدقيق بين التقنيات الحديثة والقيم التاريخية التي جرى الحفاظ عليها. وأرى أن التعرف الأول للأطفال على المتاحف ينبغي أن يبدأ من مكان كهذا، فهو يغرس في نفوسهم حب الوطن، ويعرفهم بتاريخه الفريد، ويعلمهم الاعتزاز بشعبهم».
المكتبة — بيئة لدراسة التراث وإنتاج المعرفة الجديدة
وخلال الزيارة، اطلع أعضاء الوفد على مكتبة المركز، وما تضمه من مجموعات الكتب، والمساحات المخصصة للمطالعة والبحث العلمي، والموارد الإلكترونية، فضلا عن الوسائل التقنية المستخدمة في تقديم الخدمات لرواد المكتبة.
أولغا تيتوفا، مديرة مكتبة سفيردلوفسك الإقليمية العلمية العامة التي تحمل اسم ف. غ. بيلينسكي، سلطت الضوء على الأجواء الحيوية داخل المكتبة، ولا سيما انشغال الشباب بالمطالعة والعمل المستقل، قائلة:
«أول ما أثار إعجابنا هو حجم المكتبة وروادها. وقد لاحظنا أن معظمهم من الشباب المتعطشين للمعرفة؛ فمنهم من يدون الملاحظات، ومنهم من يقرأ الكتب، وآخرون يعملون على حواسيبهم الشخصية. وتساعد أماكن العمل المجهزة بالحواسيب والمساحات الهادئة المنفصلة الشباب على تنمية قدراتهم وتعميق معارفهم. كما أسعدني وجود مؤلفات باللغة الروسية ضمن مقتنيات المكتبة، من بينها كتاب للشاعر ميخائيل ليرمونتوف خضع للترميم».
وأشارت أولغا تيتوفا إلى أن الأجواء الهادئة في المكتبة وإمكاناتها التقنية الحديثة يكمل بعضها بعضا. كما تحدثت عن انطباعاتها حول المعارض المتحفية، مؤكدة أن إتاحة الفرصة للتعرف المباشر على نماذج الورق والأقمشة تساعد على فهم الثقافة التاريخية واستشعارها بصورة أعمق.
لقاء يركز على العلم والحوار الدولي
وشهدت الزيارة أيضا جلسة نقاشية بعنوان «المكتبة في المتحف والمتحف في المكتبة: اتجاهات التطور». وخلال اللقاء الحواري، تحدث فردوس عبد الخالقوف، مدير مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، عن الظروف والإمكانات المتاحة لإجراء البحوث العلمية في المركز، الذي أنشئ بمبادرة من الرئيس شوكت ميرضيائيف. وأكد أن رئيس الدولة يولي اهتماما خاصا بتطوير العلم والمعرفة، وتنشئة جيل شاب متعلم ومتمتع بالقيم الروحية والأخلاقية الرفيعة.
وكما أكد رئيس الدولة، فإن كل من يزور هذا الصرح ويتعرف عليه يدرك الجوهر الإنساني للدين الإسلامي. ومن هذا المنطلق، أوضح مدير المركز أن من أبرز مهامه دراسة التراث الثقافي دراسة علمية، وإبراز إسهامات كبار العلماء في تطور العلوم على مستوى العالم، والتعريف عالميا بجوهر الإسلام القائم على السلام والإنسانية. كما أشار إلى أن هذه الجهود تسهم في مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا والوقاية منها.
وأكد المشاركون أن التعاون بين المكتبات والمتاحف يكتسب أهمية كبيرة في نشر المعرفة الموثوقة وتعزيز الفهم المتبادل لتاريخ الشعوب المختلفة وثقافاتها. كما سلط اللقاء الضوء على أهمية مثل هذه الزيارات في تبادل الخبرات وتطوير آفاق التعاون المستقبلي.
المكتبة الافتراضية للمركز تثير اهتمام خبراء المكتبات الروس
في إطار اللقاء، قدم متخصصو تكنولوجيا المعلومات في المركز عرضا تعريفيا للضيوف حول المكتبة الافتراضية.
وتعد المكتبة الرقمية امتدادا حديثا للأنشطة العلمية والتثقيفية للمركز، إذ تتيح للقراء الاستفادة من خدمات المكتبة عن بعد. كما تسهم الكتب الإلكترونية والمطبوعات النادرة المرقمنة وقاعدة البيانات الواسعة للموارد الإلكترونية في الحفاظ على المصادر النادرة وتيسير الوصول إليها والاستفادة منها. وقد أبدى خبراء المكتبات الروس اهتماما كبيرا بهذه التجربة.
التكامل بين المتحف والمكتبة: ثلاث تجارب ومهام مشتركة
قدمت فيرا فيكولوفا، مديرة متحف منزل نيكولاي غوغول في موسكو، تجربة دمج أنشطة المكتبة والمتحف. وتناولت في محاضرتها سبل الاستفادة المشتركة من المجموعات المتحفية ومقتنيات المكتبات في البحوث العلمية والمعارض والبرامج التثقيفية. وقد برز الترابط بين حفظ التراث ودراسته والتعريف به بوصفه نهجا مهما يمكن الاستفادة منه في أنشطة المركز أيضا.
وقدمت تاتيانا كلاشنيكوفا، مديرة مكتبة موسكو التي تحمل اسم ألكسندر بوشكين، محاضرة بعنوان «مكتبة حديثة في مبنى تاريخي». واستعرضت خلالها تجربة تطوير الخدمات المكتبية بما يلبي احتياجات القراء المعاصرين، مع الحفاظ على الطابع التاريخي للمكان وتقاليد المكتبة. كما ركز العرض على ربط المطبوعات النادرة والتراث الأدبي بالأنشطة الثقافية والتثقيفية.
وقدمت فارفارا ريابوفا، المتخصصة في مكتبة ف. ف. ماياكوفسكي بمدينة سانت بطرسبورغ، أبرز نتائج دراستها حول الأنشطة المتحفية للمكتبات. وتناولت في عرضها تنظيم المعارض التقليدية والافتراضية، وتيسير استخدام المواد الرقمية، وضمان الموثوقية العلمية للمعلومات. وقد اكتسبت هذه المناهج أهمية خاصة من حيث تقديم موارد المتاحف والمكتبات في البيئة الرقمية بأسلوب هادف وواضح يسهل فهمه.
وفي ختام اللقاء، قدمت إلى كل ضيف مجموعة من الكتب المصورة ضمن سلسلة «التراث الثقافي لأوزبكستان في مجموعات العالم»، التي أعدتها الجمعية العالمية لدراسة التراث الثقافي لأوزبكستان والحفاظ عليه والترويج له (WOSCU). وتسلط هذه الإصدارات الضوء على نماذج من التراث الثقافي الأوزبكي المحفوظ في مختلف دول العالم، من خلال المعلومات العلمية والصور التوضيحية.






