نسخة التجربة من الموقع

مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان
banner

الأخبار

مركز الحضارة الإسلامية: نظرة إلى التاريخ من خلال الجداريات المهيبة

يُعتَبر مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان ليس مجرد صرح معماري ضخم، بل هو مركز يُجسِّد التراث الروحي والعلمي الغني لوطننا، ويسلط الضوء على إسهاماته في العالم الإسلامي. وتشير اللوحات الجدارية الأربع عشرة التي ستوضع عند المدخل الرئيسي للمركز إلى عمقه الفكري وغناه الأيديولوجي. ومن بين هذه الأعمال، تبرز لوحة تصور عصر النهضة الأولى الذي شهدته أرض ما وراء النهر، وتُعد من أبرز الصفحات المشرقة في تاريخ شعبنا وحياته الروحية.

 

بعد دخول الإسلام، تحولت أراضي أوزبكستان الحالية خلال فترة وجيزة إلى مركز للعلم والمعرفة. ففي الفترة ما بين القرن التاسع والحادي عشر، اعتُرِف بمدن مثل بخارى وسمرقند وترميز ونسف كأهم مراكز العلم في العالم. وقد حقق العلماء الذين نشأوا في هذه المدن إنجازات عظيمة ليس فقط في العلوم الإسلامية، بل أيضًا في الفلسفة والرياضيات والفلك والكيمياء والطب وغيرها من العلوم الدنيوية. وظلت مؤلفاتهم تُدرَّس في أنحاء العالم الإسلامي على مدى قرون، بل وألهمت أيضًا حركات النهضة في أوروبا.

 

في هذه اللوحة الجدارية، يتجلّى الجو الروحي لتلك الحقبة التاريخية، والاحترام للعلم والتقدير لحَمَلَة المعرفة، من خلال تعبيرات فنية دقيقة. يظهر في اللوحة الإمام البخاري وهو يكتب كتابه صحيح البخاري، ويُرى بجانبه طلاب جاءوا لتحصيل العلم. كما يُصوَّر الحكيم الترمذي وهو منغمس في التأملات الصوفية. ويُصوَّر القفال الشاشي وهو يعمل على مسائل فقهية، بينما برهان الدين المرغيناني يتأمل في كتابه الشهير الهداية .أما محمد الخوارزمي، الذي أسّس نظريتي الرياضيات والخوارزميات على أسس علمية، فيظهر وهو يجري حسابات دقيقة بذكاء حاد. ويقوم أبو الريحان البيروني برسم خرائط جغرافية، في حين يشرح أبو نصر الفارابي قواعد نظرية الموسيقى والفلسفة. والأهم من ذلك، أن مشاهد انشغال ابن سينا في ميدان الطب، ورسوماته الخاصة بتشريح الإنسان، قد جُسِّدت كذلك بتعبير فني كامل، حسبما صرح به زاهد الله منوّاروف، الباحث الرئيسي في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.

 

يُحضَّر هذا العمل الفني في ورشات متخصصة في الصين باستخدام تقنية الفُسيفساء الدقيقة، وهو عمل ضخم يبلغ ارتفاعه ٨ أمتار وعرضه ٤ أمتار. يُستخدم في اللوحة أكثر من ١٠٠ حجر مختلف الألوان، مما يُساهم في تحقيق دقة وكثافة عالية في كل تفصيل. وقد تم توظيف أسلوب فن المنمنمات الوطني وتقاليد الرسم الكلاسيكي الشرقي بفعالية في هذا العمل. في الجزء العلوي من اللوحة، نُقشت الآية القرآنية من سورة الزمر: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهي تمثّل الأساس الفكري الكامل لهذا العمل الفني. ومن خلال ذلك، لا تؤدي هذه اللوحة وظيفة الذاكرة التاريخية فقط، بل تساهم أيضًا في التربية الروحية والتعليمية.

 

من الجوانب الجاذبة في هذه اللوحة الجدارية أنها تُجسِّد بيئة ازدهار العلم والمعرفة من مدارس ومكتبات وعلاقات بين الأساتذة والتلاميذ من خلال صور فنية حيّة. يتجلى أمام أعيننا الشغف بطلب العلم، والتقدير للقلم والورق، والجو الهادئ والمليء بالتأمل في المكتبات. كما تُعرض بشكل رمزي خريطة انتشار الإسلام في منطقتنا وأبعاده الجغرافية.

 

ومن هذا المنظور، فإن هذا العمل ليس مجرد نموذج من الفنون التشكيلية، بل هو تعبير متكامل عن المعرفة والتاريخ، والفلسفة والفكر الفني، والتراث الإسلامي والهوية الوطنية. إنه يُبرز مجددًا احترام شعبنا لتاريخه، وتقاليده في تمجيد العلم والمعرفة. وفي الوقت الراهن، فإن لأعمال فنية وتربوية كهذه أهمية كبيرة في عملية إحياء العلم والمعرفة، وتربية الأجيال الشابة على أساس تراثنا الوطني.

 

carousel image 1
carousel image 2

الأكثر قراءة

عرض جميع الأخبار

زيارة إلى المركز

خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.