النجم الشرقي المعترف به عالميًا
قبل آلاف السنين، حين لم تكن هناك تلسكوبات ولا هواتف ذكية، كان الناس يراقبون السماء ويسعون لفهم أسرارها. في تلك الحقبة، في منطقة الشرق القديم المليئة بالصخور والصحارى والوديان، ظهر نجم عصره في تاريخ العلم. تسمية أحد الفوهات على سطح القمر باسم الفرغاني دليل على أن هذا المفكر الشرقي قد تم الاعتراف به رسميًا من قبل المجتمع العلمي العالمي. في معروضات مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، يُولى اهتمام خاص بالمشاريع التي تجسد الإمكانات العلمية للشرق.
إن البحوث الكونية الحديثة، والأقمار الصناعية، والرحلات الفضائية إلى المريخ، ترتكز جميعها على جهود أحمد الفرغاني الذي عاش وأبدع منذ آلاف السنين. لقد شكلت اكتشافاته أساسًا للعلم والمعرفة جمعاء.
إن حياته لم تكن فقط فصلًا في تاريخ علم الفلك والرياضيات، بل كانت بداية لعصر جديد في الفكر العلمي للبشرية جمعاء. لم يكن الفرغاني شخصًا عاديًا، بل كان نجم زمانه، عبقريًا سعى إلى الحقيقة وعزم على كشف أسرار ما بين الأرض والسماء. لقد درس النجوم والكواكب وأبعاد الأرض والعمليات الكونية، فغيّر بشكل جذري نظرة الناس إلى العالم في عصره.
اكتشافاته في علم الفلك لا تزال ذات أهمية حتى اليوم
أحمد بن محمد بن كثير، المعروف بأحمد الفرغاني، وُلد حوالي سنة ٧٩٨ في وادي فرغانة. لا توجد معلومات كثيرة ودقيقة عن حياته، لكن إرثه العلمي، وخاصة في مجال علم الفلك، لا يزال محل تقدير حتى يومنا هذا. عمل الفرغاني في بيت الحكمة، الذي كان في زمانه مركزًا للعلم والمعرفة.
نظّم الفرغاني في بحوثه العلمية المعارف المتعلقة بالأرض والسماء، وكتبها بطريقة مبسطة وسهلة الفهم. وقد اشتغل أساسًا بعلم الفلك والجغرافيا، وكتب العديد من المؤلفات في هذين المجالين. من أشهر مؤلفاته كتاب أصول علم الفلك، الذي يحتل مكانة بارزة في تاريخ العلم. في هذا الكتاب، يشرح حركة الأجرام السماوية، مواقعها، شكل الأرض وأبعادها بلغة بسيطة وواضحة. وقد أصبح هذا الكتاب على مر القرون مرجعًا أساسيًا في المراكز العلمية.
نيلومتر– مثال على تكامل العلم والتطبيق
لم تقتصر القدرات العلمية لأحمد الفرغاني على علم الفلك النظري فقط، بل حقق أيضًا نجاحات كبيرة في مجال الهندسة التطبيقية. ففي سنة ٨٦١، قام في جزيرة الروضة الواقعة في العاصمة المصرية القاهرة، بإصلاح وتطوير النيلومتر الشهير المعروف باسم جهاز مقياس النيل، وأدخله تحسينات جوهرية.
كان هذا المنشأ مهمًا للغاية للزراعة، لأن التغيرات الموسمية في مستوى مياه نهر النيل كانت العامل الرئيسي في نظام الزراعة في مصر. فمن خلال التنبؤ المسبق بخطر الفيضانات أو الجفاف، كان من الممكن التخطيط لزراعة المحاصيل، وجنيها، وتخزين المواد الغذائية. كما كان النيلومتر يُنبّه الإدارة في المدينة بشأن الفيضانات الخطيرة. وتُعدّ هذه الأداة مثالًا بارزًا على معرفة الفرغاني الهندسية وتفكيره العملي. ومن الجدير بالذكر أن هذا النيلومتر ظل يعمل حتى عام ١٩٧١، أي حتى بناء سد أسوان.
من دعائم النهضة العلمية في أوروبا
تمت ترجمة كتاب أصول علم الفلك الذي ألّفه أحمد الفرغاني إلى اللغة اللاتينية في القرن الثاني عشر، وعُرف باسم إليمنتا أسترونوميكا. وقد استُخدم هذا الكتاب لاحقًا كمرجع أساسي في مؤسسات التعليم العالي الأوروبية الجامعات حتى القرن السابع عشر. وشرح فيه مسائل أساسية مثل حركة الكواكب، مواقع النجوم، شكل الأرض وحجمها، وبنية الكون بلغة مبسطة وأسس علمية.
اعتمد العلماء الأوروبيون المشهورون والأدباء على هذا الكتاب في إنجاز اكتشافاتهم العالمية. فقد ألقى العالم الألماني الشهير في القرن الخامس عشر ريجيومونتان محاضرات في جامعة بادوفا في إيطاليا استنادًا إلى كتاب الفرغاني. ويُظهر ذلك أن كتاب الفرغاني كان من المصادر المهمة لنهضة أوروبا وتقدم العلوم.
ومن الجوانب الأخرى التي تستحق الاهتمام أن الشاعر الإيطالي العظيم في القرن الثالث عشر دانتي أليغييري استخدم كوسمولوجيا الفرغاني في مؤلفه الوليمة، مما يدل على اعتماد دانتي على أسس علمية في عمله. كما ذكر الكاتب الألماني الشهير يوهان فريدريش شيلر الفرغاني باحترام في مؤلفاته. وقد نُشر كتاب أصول علم الفلك أربع مرات في القرن السادس عشر، ما يدل على أهميته العلمية وانتشاره الواسع.
الاعتراف الرفيع في تاريخ العلم
لا يقتصر الاعتراف بالإرث العلمي لأحمد الفرغاني على الماضي فحسب، بل يستمر حتى يومنا هذا على نطاق عالمي. فتسمية إحدى الفوهات على سطح القمر باسم الفرغاني دليل واضح على الاعتراف الرسمي من قِبل المجتمع العلمي العالمي بإسهاماته في علم الفلك.
في عام ١٩٩٨، وبالتعاون مع منظمة اليونسكو ومنظمات دولية أخرى، تم الاحتفال الواسع بالذكرى الـ١٢٠٠ لميلاد أحمد الفرغاني. وفي إطار هذه المناسبة، أُقيمت مؤتمرات علمية دولية، ومعارض، وفعاليات ثقافية. بالإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة المصرية في عام ٢٠٠٧ بنصب تمثال له في القاهرة، مما يؤكد مرة أخرى على مكانته العظيمة في تاريخ العلم والثقافة.
لقد ساهم أحمد الفرغاني، بعلمه العميق، ومعرفته النظرية، وأعماله التطبيقية، في ترسيخ الأسس العلمية للحضارة الإنسانية. ولم تفقد أعماله قوتها وأهميتها لا في زمانه، ولا خلال الألف سنة التالية. ولا تزال مؤلفاته تُدرس اليوم من قبل محبي العلم، والمؤرخين، والمهندسين. إن إرثه لا يُعد جزءًا من تاريخنا فحسب، بل هو عنصر لا يتجزأ من تطورنا الحديث كذلك.
وفي معروضات مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، يُولى اهتمام خاص بالمشاريع التي تعكس هذه القدرات العلمية العظيمة للشرق.
حُسَن تورسونوف
ملاحظة: يمكن نقل ونشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز.






