هل ابن سينا فقط هو رائد الطب الذي خرج من بخارى؟
كلُّ اكتشافٍ جديد وكلُّ إنجازٍ حديث يعود بجذوره العميقة إلى أعماق التاريخ. فخلف إنجازات العلم والطب الحديث اليوم، تكمن خبرةٌ وتجربةٌ عريقة تمتدُّ لآلاف السنين، وتفكيرٌ عميقٌ وبحثٌ علميٌ متواصل. ولا سيّما أن التراث العلمي للأطباء والعلماء الذين عاشوا وأبدعوا في عصر النهضة الشرقية لم يفقد أهميته حتى يومنا هذا. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم أبو منصور حسن بن نوح القمري كعلمٍ بارزٍ يستحقّ عنايةً خاصة.
لقد كان القمري من الشخصيات المعترف بها ليس في عصره فحسب، بل في القرون التي تلته أيضاً، لما امتلكه من قدرات علمية وخبرة عملية ومعرفة طبية واسعة. وتُعدّ مؤلفاته، وخصوصاً كتابه كتاب الغنى والمُنى وكتاب التنوير في الاصطلاحات الطبية، من المصادر القيّمة التي لا تزال تخدم العلوم الطبية الحديثة. فلم يقتصر تأثيره على طرق العلاج فقط، بل ترك أثراً عميقاً في تطوير المصطلحات الطبية، علم التغذية، وأخلاقيات المهنة كذلك.
لقد خَلُدَ القمري في سجل التاريخ كطبيبٍ ممارس، وعالمٍ نظري، ومن مؤسسي المصطلحات الطبية، والأهم من ذلك: كأحد أساتذة العالم الجليل ابن سينا. فلم يقتصر نشاطه على معالجة المرضى فحسب، بل سعى كذلك إلى تنظيم المعارف الطبية، ونقلها إلى الأجيال القادمة، وتأسيس مدرسةٍ علمية متكاملة.
واليوم، عندما ندرس تطوّر أساليب الرعاية الصحية، والتغذية، والتشخيص، والعلاج، كثيراً ما نتوجّه إلى العلماء الغربيين. لكن، لا تنسوا أنّه حينما بدأ الأوروبيون يتّجهون نحو طريق العلم، كان القمري في بخارى قد ألّف بالفعل أسس الطب الحديث.
حياته ونشاطه العلمي
وُلِد أبو منصور القمري في أوائل القرن الخامس الهجري في مدينة بخارى. وكانت حياته ونشاطه العلمي مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بهذه المدينة، حيث عُرف كأحد أطباء البلاط لدى أمراء بخارى. ومن أبرز الجوانب التاريخية في سيرة القمري أنه كان أوّل أستاذٍ للشاب أبي علي ابن سينا، الذي سيُعرف لاحقًا بلقب سلطان الطب في العالم. وتؤكد المصادر التاريخية أنّ ابن سينا تلقّى أولى دروسه النظرية والعملية في الطب على يد القمري، وهذا ما يدلّ على المستوى الرفيع لكفاءته العلمية وبراعته التربوية.
إرثه العلمي ومؤلفاته
تفيد المصادر التاريخية بأنّ أبا منصور القمري ألّف ثمانية كتب في مجال الطب، إلا أنّ اثنين فقط منها وصلانا في العصر الحاضر. ومع ذلك، فإنّ هذين الكتابين وحدهما يكفيان لإبراز القيمة العلمية البالغة التي تركها القمري لجيله ولمن جاء بعده.
كتاب الغِنى والمُنى (الكتاب المفصّل والمطلوب)
خُصِّص هذا المؤلَّف لعلاج جميع أعضاء جسم الإنسان، وقد انتشر انتشارًا واسعًا في زمنه ونال تقديرًا كبيرًا. وتُحفَظ أكثر من ٤٠ نسخة خطية من هذا الكتاب في مكتبات آسيا وإفريقيا وأوروبا، وهو ما يدل على الاعتراف الدولي بآراء القمري العلمية. وقد ذكر في هذا الكتاب معلومات عن أكثر من ٣٠ طبيبًا من سابقيه ومعاصريه، مما يجعله لا يُعدّ دليلًا عمليًا فحسب، بل مرجعًا تاريخيًا ذا قيمة كذلك.
كتاب التنوير في المصطلحات الطبية
أما مؤلفه الثاني، فهو معجم طبي توضيحي يضمّ أكثر من ٣٥٠ مصطلحًا وتحليلًا دقيقًا لها. وقد قدّم القمري في هذا العمل معلومات عن الأغذية الصحية، والمشروبات، بل وحتى الأجهزة الطبية الخاصة التي كانت تُستخدم في ذلك العصر. والمثير للانتباه أنّ بعض هذه المفاهيم لا تُوجد في كتب طبية شهيرة أخرى، بما في ذلك قانون الطب لابن سينا، ما يجعل هذا الكتاب مرجعًا علميًا فريدًا من نوعه.
وقد تُرجم هذا المعجم في القرن السادس عشر الميلادي إلى اللغة الفارسية على يد الطبيب إسماعيل بن محمد يوسف، الذي عاش في الهند في عهد بابر وابنه همايون. ثم تُرجم إلى اللغة الروسية عام ١٩٩١، وطُبع في طشقند. ولا يزال هذا الكتاب يُستفاد منه في الطب الشعبي حتى يومنا هذا.
إسهامه في تطور العلم والمعرفة
لم يساهم أبو منصور القمري في تطور العلم والمعرفة من خلال مؤلفاته فقط، بل قدّم إسهامًا لا يُقدّر بثمن عبر تربية العلماء الكبار الذين جاؤوا من بعده. ويُعدّ دوره في تكوين شخصية ابن سينا محل تقدير وإعجاب كبيرين؛ إذ لم يكن القمري أحد أساتذته فحسب، بل كان المربي الذي أسّس له القواعد الأولى في علم الطب. ولهذا، فإنّ اسم القمري لا يُذكر في صفحات التاريخ فحسب، بل يحظى بالاحترام في قلب كلّ محبّ للعلم والمعرفة.
إنّ اسم أبي منصور القمري لا يُمثّل مجرد طبيبٍ عادي، بل هو اسم لعالمٍ وهب حياته في سبيل العلم، وترك بصمةً عميقةً في العالم الإسلامي، بل وحتى خارجه، من خلال مؤلفاته وتلاميذه ونهجه العلمي.
واليوم، يُعدّ من المهام العاجلة نقل التراث العلمي الثري لعلمائنا العظام مثل أبي منصور القمري إلى عامة الناس، وتحفيز الشباب، وخاصةً المهتمين بمجال الطب، على حبّ العلم والسعي إليه. ولهذا الغرض، من المزمع تنظيم معرض خاص مخصص لهذا العالم الجليل في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
من خلال هذا المعرض، سيتمكّن الزوّار من التعرّف عن كثب على المخطوطات النادرة لأبي منصور القمري، وآرائه العلمية، وطرقه العلاجية، وتوصياته المتعلقة بالتغذية الصحية. كما سيتمّ الكشف عن الجذور التاريخية لثقافة الرعاية الصحية التي نشأت في ذلك العصر.
تُعدّ هذه المبادرة خطوةً مهمّة في سبيل حفظ التراث العلمي الغني لأسلافنا، ومواءمته مع الطبّ الحديث، وتقديمه كمصدر إلهامٍ للأجيال الشابّة. فالأمة التي تكرّم علماؤها بحقّ، هي الأمة القادرة على السير بثبات نحو مجتمعٍ صحيّ ومستقبلٍ مزدهر.
حُسَن تُرْسُونُوف
ملاحظة: يمكن استخدام المقال مع الإشارة إلى الرابط الرسمي للمركز.




