القوم الذين حفظوا عليشر نوائي وفهموه ينالون السعادة
تقدير الأزل كتب على جبين الأمة شخصية عظيمة مثل حضرة نوائي، وسيبقى هذا رمزًا للفخر والاعتزاز اللامتناهي لكل فرد من أفراد الشعب الأوزبكي في الماضي والحاضر والمستقبل.
إن تراث نوائي الأبدي وآثاره الفريدة تحولت إلى كنز روحي لا يقدّر بثمن، ليس فقط للشعب الأوزبكي، بل للبشرية جمعاء. واليوم تُرجمت آثاره الخالدة إلى عشرات اللغات العالمية، وما تحمله من قيم الخير والإنسانية والوفاء والإيمان تدعو البشرية كلها إلى الوحدة والتضامن.
وأحيانًا، عند مطالعة أعمال نوائي، يشعر القارئ بدهشة لا توصف من ذكائه الفريد وبصيرته وقدرته على استشراف المستقبل. ويبدو لنا أن هذا الرجل الجليل استطاع، قبل خمسة قرون ونصف، أن يرى بعمق ملامح عصرنا المتقدم، بل حتى مشكلاته.
على سبيل المثال، لنتأمل في المشاكل البيئية التي أصبحت ذات أهمية عالمية اليوم. إن تدهور الوضع البيئي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم نتيجة تعامل البشرية مع الطبيعة بجهل وبدون رحمة.
في ديوان "سبعة الكواكب"، يخرج الملك بهرام للصيد ويقوم مع خدمه بقتل عدد غير مسبوق من الكائنات الحية. يسيل الدم كنهر، ومن شدة حرارته يذوب السطح الصلب للأرض، ويبتلع المستنقع الواقع تحته بهرام وخدمه.
يبدو أن حضرة نوائي، من أعماق الماضي، كان ينذر معاصريه في زمننا الحالي من خطر لا مفر منه. فهل من الممكن أن يلقى مصير الملك بهرام ورفاقه نفس المصير الذي ينتظر البشرية كلها إذا استمرت الأمور على هذا المنوال؟
الحروب وسفك الدماء والعداوة هي كوارث لا تعترف بحدود الزمان والمكان. ومع مرور الزمن قد تتغير أشكال هذه الكوارث، لكن جوهرها يبقى كما هو. لأن العامل الوحيد الذي يقود البشر نحو الهلاك والبؤس هو النفس. وليس عبثًا أن قال المفكر العظيم:
إن أخضعت خمسة أسود، فليس ذلك من الشجاعة
وإن قهرت كلب النفس، فلا أحد أشجع منك في هذا العالم.
حقًا، فإن التغلب على أسد متوحش في الغابة أو إسقاطه أرضًا لا يُعدّ بطولة حقيقية بقدر ما هو ترويض كلب النفس في داخلنا. فمتى ما عجز الإنسان عن ترويض نفسه، ستتواصل النزاعات، وسفك الدماء، والفتن على وجه الأرض. وفي الحقيقة، فإن آفات مثل الإرهاب، والتطرف الديني، والجريمة المنظمة، ما هي إلا ثمار مرّة لأنانية الإنسان، وانعدام التسامح، والجشع، باختصار: النفس.
فلننظر حولنا بتمعّن، كم من الأبرياء يسقطون يوميًا ضحايا لحروب وصراعات وعمليات عسكرية لا هدف لها. وتصدح أبيات جدنا نوائي، التي ما زالت حية بعد قرون، كصوت ضمير يقظ:
يا أهل العالم، اعلموا أن العداوة ليست عملًا نافعًا
بل لنكن أحبابًا لبعضنا، فذلك هو العمل الحقيقي.
الزمن فوق كل شيء، لا يخضع لأحد. تمر العصور والدهور، لكن الكنوز الروحية الثمينة التي خلّفها لنا أسلافنا العظام مثل عليشر نوائي تصمد أمام عواصف القرون، وتزداد إشراقًا وقيمة يومًا بعد يوم. فلا يكفي أن نفخر باسم جدّنا نوائي، بل يجب أن نحيا بهذه الكنوز وننتفع بها. ينبغي أن لا نذكر نوائي فقط في الأعياد وأيام ميلاده، بل أن نحمله في قلوبنا، وأرواحنا، ووعينا، في كل يوم، في كل لحظة، فذلك من أجمل وأفضل الأعمال.
الأمة التي تحفظ نوائي وتفهمه لا محالة ستبلغ أعلى مراتب السعادة.
رستم جباروف
ملاحظة: يمكن استخدام المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز.



