الكنز الذهبي لأوزبكستان
سمرقند ما إن نسمع اسمها حتى تتجسّد أمام أعيننا عراقة التاريخ، وروعة المعالم المعمارية المهيبة، وتقاليد العلم والمعرفة التي تمتد لألف عام. كتب عن هذه المدينة أعظم الرحالة والمؤرخين والكتّاب في العالم. ويُعد ميدان الريجيستان، الكائن في قلب المدينة، قلب سمرقند وفخر آسيا الوسطى وجوهرة التراث الثقافي العالمي.
الريجيستان ليس مجرد بناء تاريخي أو ساحة، بل هو موضع مقدس احتضن حياة وآمال وجهود وإيمان آلاف الناس. هنا كان كبار العلماء يدرّسون، والطلاب يتعلمون لسنوات، والقوافل التجارية تمر، والشعراء يستلهمون، وعامة الناس يرفعون أكف الدعاء.
هذا الميدان أشبه بكتاب خالد يحفظ بين صفحاته ألف سنة من التاريخ. كل فسيفساء وكل زخرفة وكل قبة فيه تعكس حب المعماريين والفنانين لفنهم ودقتهم في عملهم. وما زال إبداعه المعماري ومستوى الزخرفة والدقة في البناء يثير إعجاب الخبراء في العالم حتى اليوم.
كما أن الريجيستان يعكس ثراءنا الروحي والفكري وعمق تطلع شعبنا للعلم والفن منذ القدم. الوقوف هنا يجعلك ترى الماضي وتلمس جذورك وتفخر بأن أجدادك شيدوا هذه الروائع.
اليوم نحافظ على الريجيستان ونقدّره ونقدّمه للعالم لأنه تاريخنا وثقافتنا وهويتنا. وفهم كيف بُني هذا التاريخ والمراحل التي مر بها أمر ضروري لكل أوزبكي.
مدرسة أولوغ بيك – النجم الأول في الريجيستان
أقدم مبنى في ميدان الريجيستان هو مدرسة أولوغ بيك التي بُنيت بين عامي ١٤١٧–١٤٢٠ على يد ميرزا أولوغ بيك، حفيد الأمير تيمور، وعالم فلك وحاكم عظيم. لم يكن حاكماً فحسب، بل عالماً أراد أن يجعل من سمرقند مركزاً للعلوم، خاصة الرياضيات والفلك.
شُيدت المدرسة لتحقيق هذه الرؤية، ودرّس فيها أعلام كبار مثل قاضي زاده الرومي، وعلي قوشجي، وغِياث الدين الكاشي. كانت بمثابة جامعة عصرها، تُدرّس فيها العلوم الدينية إلى جانب علوم الهندسة والفلك والمنطق والفلسفة.
معمارياً، تتألف من بشتاق كبير، وغرف من طابقين، وفناء داخلي، ومسجد. وتزدان واجهتها بزخارف فسيفسائية تحوي صيغاً رياضية وأنظمة نجمية وآيات قرآنية بالخط العربي، مما يعكس انسجام الفن والعلم.
مدرسة شيردار – انسجام الفن والرموز
بعد أكثر من قرنين، في القرن السابع عشر، أعاد القائد البارز يالانغتوش بهادور الحياة للريجيستان ببناء مدرسة شيردار بين ١٦١٩–١٦٣٦ مقابل مدرسة أولوغ بيك بشكل متماثل.
أبرز ما يميزها زخارف البشتاق التي تتضمن رسم أسدين وشمساً، وهي عناصر نادرة في الفن الإسلامي حيث يُتجنّب عادة تصوير الكائنات الحية. لكنها هنا تحمل معاني رمزية: الأسد قوة وشجاعة، الشمس نور وحياة، والشخصية البشرية رمز للباحث عن العلم.
بنيتها الداخلية معقدة: فناء واسع، قاعات دراسة، غرف، ومسجد. وكانت مركزاً تعليمياً وفنياً، بزخارف وفسيفساء نفذت بأحدث تقنيات عصرها.
مدرسة تلاّكاري
واصل يالانغتوش بهادور مشروعه ببناء مدرسة ثالثة هي تلاّكاري بين ١٦٤٦–١٦٦٠، وكانت مدرسة ومسجداً جامعاً.
اسمها يعني المذهبة، إذ زُينت قاعة المسجد الداخلية بزخارف مطلية بالذهب، خاصة القبة والنقوش الكتابية، مما منحها فخامة وجمالاً فريدين.
الانسجام المعماري لمجمع الريجيستان
الريجيستان ليس ثلاثة مبانٍ منفصلة، بل وحدة معمارية متناسقة ومتناظرة، كل منها يرمز إلى قيمة:
- أولوغ بيك: العلم والفكر
- شيردار: الشجاعة والفلسفة
- تلاّكاري: الروحانية والجمال
تشترك جميعها في عناصر البشتاق، الفسيفساء، القباب، الزخارف الهندسية، والنقوش العربية، في توازن وتناغم جمالي.
أهمية الريجيستان اليوم
اليوم يُعد الريجيستان مركزاً حياً للثقافة، وأُدرج عام ٢٠٠١ في قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويستقطب آلاف الزوار سنوياً ويحتضن فعاليات دولية كقمة منظمة شنغهاي للتعاون ٢٠٢٢، ومهرجان أصوات الشرق.
الريجيستان ليس متحفاً صامتاً، بل فضاء حيّ يتحدث إلينا ويدعونا لعدم نسيان هويتنا. كل حجر وقبة وحرف فيه نابض بالحياة.
وفي هذا الإطار، فإن إنشاء نموذج لميدان الريجيستان في معرض مركز الحضارة الإسلامية سيتيح للزوار التعرف على تاريخه وقيمته الروحية والفكرية، ويعزز فيهم الفخر والاهتمام بالتراث الوطني.
حسن تورسونوف
ملاحظة: يمكن الاستفادة من المقال مع الإشارة إلى الرابط الرسمي لموقع المركز.











