العالم الشرقي الذي تألق في الأمم المتحدة
هل تعلم أن العبارة المنقوشة على واجهة مبنى مجلس السلام في الأمم المتحدة :بما أن أبناء آدم قد خُلقوا في الأصل من جوهر واحد، فهم بمثابة جسد واحد؛ فإذا أصاب الزمان عضواً منه بجرح، فإن باقي الأعضاء أيضاً يفقدون راحتهم مأخوذة من كتاب كلستان للشاعر سعدي؟
هناك مؤلفات تحمل في طياتها درر المعاني الرفيعة والفكر الأدبي العميق، تكشف من خلالها الملامح الروحية والقدرات الثقافية للشعوب. ومن بين هذه المؤلفات الثمينة، يبرز كليات الشاعر والمفكر الكبير سعدي الشيرازي، أحد أعلام الأدب الشرقي الإسلامي.
تحتفظ بلادنا بنسخة مخطوطة نادرة من هذا العمل الشهير في معهد المخطوطات التابع لأكاديمية العلوم الأوزبكية، باسم أبو الريحان البيروني، تحت الرقم ٦١٠٨. لهذه النسخة قصة مميزة؛ فقد نُسخت في بخارى في أواخر القرن ١٦، وتُعد نموذجاً راقياً لفن الخط والنسخ والثقافة الفنية في ذلك العصر.
سعدي الشيرازي (١٢٠٣/١٢١٠ – ١٢٩٢) اشتهر بكتبه كلستان وبوستان وغزلياته وحِكمه، وأثرى من خلالها الثقافة الشرقية الإسلامية، ورفعها إلى أرقى المراتب. أما الكليات فهي المجموعة الكاملة لتراثه الإبداعي، وتُقدَّر تقديراً عالياً لكونها تجمع بين الشعر والنثر، والحكمة والفضيلة، والعقل والقلب في تناغم واحد.
أنغام كلستان ستصدح الآن في مركز الحضارة الإسلامية
لا يقتصر هذا المخطوط على قيمته الأدبية، بل يُعتبر أيضاً مصدراً مهماً من الناحية التاريخية واللغوية وفن الخط والدراسات الفنية. فمن خلال جودة الورق وألوان الحبر والعناوين والزخارف، يمكن فهم البيئة الفكرية وتقاليد النسخ والمعتقدات السائدة في ذلك الزمن.
اليوم، تستعد نسخة هذا المخطوط لعرضها على الجمهور الواسع ضمن مشروع إعلامي بعنوان ١٠٠ مخطوط قديم من أوزبكستان الذي ينفذه مركز الحضارة الاسلامية. ويهدف المشروع أساساً إلى تعريف الناس بالكنوز الفريدة المحفوظة في بلادنا والناطقة بتاريخنا، وتعزيز تقدير تراثنا الروحي، وغرسه في وعي الأجيال الجديدة.
من القلب إلى القلب: رحلة مخطوطات سعدي
إن كليات سعدي ليست مجرد شعر، بل هي مدرسة في فلسفة الحياة، وفي ترسيخ القيم الروحية للإنسان ونشر الأخلاق في المجتمع. وعلى واجهة مبنى مجلس السلام في الأمم المتحدة نُقشت أبيات مأخوذة من كلستان تقول :بما أن أبناء آدم قد خُلقوا في الأصل من جوهر واحد، فهم بمثابة جسد واحد؛ فإذا أصاب الزمان عضواً منه بجرح، فإن باقي الأعضاء أيضاً يفقدون راحتهم وهذه العبارة وحدها تكفي لتبيان مدى أهمية إرث سعدي بالنسبة للبشرية جمعاء.
ولهذا، فإن مؤلفات أعلام مثل سعدي في أوزبكستان تنتقل من جيل إلى جيل، وتحتل مكانة مهمة في ترسيخ الهوية الوطنية ونشر الثقافة والوعي الروحي. أما هذه النسخة المخطوطة من كليات فهي درة من درر كنز المخطوطات في بلادنا، لا تتحدث عن الماضي فحسب، بل تفتح أبواب الحديث عن المستقبل أيضاً.
وفي عام ١٩٥٨، احتُفل بالذكرى ٧٠٠ لكتاب كلستان على المستوى الدولي بقرار من لجنة السلام العالمية، وهو ما يبرهن مرة أخرى على المكانة العظيمة التي يحتلها إبداع سعدي في الحياة الروحية للبشرية جمعاء. إن أعماله لم تفقد قيمتها لا في الماضي ولا في الحاضر، بل تظل مصدراً للتربية الأخلاقية والفلسفية والروحية. فقد كان سعدي الشيرازي شخصية مهيبة تربّي القلوب بقلمه، وتنشر النور في الحياة بحكمته.
دوردونا رسولوفا
ملاحظة: يمكن الاستفادة من المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز.







