السياسة البيئية في القرن ١٦
الماء هو مصدر الحياة، لكنه ليس مجرد مشروب أو ثروة طبيعية، بل كان عاملاً أساسياً في التطورات التاريخية والسياسات الزراعية وحتى في استقرار السلطات السياسية. في مناطق مثل آسيا الوسطى ذات المناخ الجاف وقلة الأمطار السنوية ولكن الغنية بشبكات الأنهار، كانت أنظمة الري منذ القدم معياراً للتطور. وخاصة في القرن ١٦، في عهد سلالة الشيبانيين، شكلت سياسة الزراعة المروية وإدارة الموارد المائية مرحلة تاريخية مميزة.
الشيبانيون والري: نموذج للسياسة المتوازنة
في فترة حكم الشيبانيين (خاصة في القرن ١٦)، كان نظام الري الذي أُنشئ ليس مجرد منشآت مائية، بل هو نتاج تاريخي لانسجام الحكم المركزي مع العلم والهندسة والتخطيط الاجتماعي. من خلال هذا النظام تمت السيطرة على الأنهار، وتشكيل شبكة ري عبر أنهار آموداريا وسيرداريا وزرافشان ومرغاب وروافدها، حيث جرى استغلال مياه الأنهار بطرق طبيعية وصناعية للزراعة. وبهذا تم تعزيز أسس الحياة الزراعية، وارتفعت إنتاجية العمل والاقتصاد المحلي.
الري في المصادر التاريخية
في كتاب مهماننامه بخارا، أُعطي اهتمام خاص لأنظمة الري على ضفاف سيرداريا. فقد حُفرت العديد من القنوات على طول النهر، ومن خلالها كانت تُروى الحقول. وتظهر هذه المعلومات أن المنشآت المائية في عهد الشيبانيين لم تُعتبر مجرد حاجة طبيعية، بل كانت نتيجة اهتمام سياسي مركزي.
المنشآت الكبرى على ضفاف نهر زرافشان
في سنة ١٥٠٢، قام الشيباني خان ببناء قاطع ماء (جسر) على نهر زرافشان، وكان يهدف إلى توزيع مياه النهر بعدل على طول الوادي. ولم تكن هذه المنشأة مجرد عمل هندسي بسيط، بل كانت دليلاً على وجود نهج مخطط في إدارة الري.
وبالمثل، في ثمانينيات القرن ١٦، قام عبد الله خان الثاني ببناء سد يُعرف باسم سد عبد الله خان في وادي بيكلارسوي، ويُعد من أكثر المشاريع تعقيداً وإتقاناً في زمانه. بُني السد باستخدام صخور الأردواز وخليط خاص من الطين، وكانت له قدرة على تخزين ١,٢ مليون متر مكعب من المياه، ويخدم في ري ١,٢ ألف هكتار من الأراضي، مما جعله أحد المكونات المركزية للاقتصاد الإقليمي.
توسع شبكات الري الإقليمية
في عهد الشيبانيين، لم يقتصر الري على المناطق المركزية فقط. فقد أُنشئت منشآت ري على ضفاف نهر زرافشان مثل جسر كارمانا، جسر ميهتر، وجسر جوندور، وشُكل نظام لتوصيل المياه إلى واحة جيزّاخ عبر قناة توياتورتار. وفي حوض نهر مرغاب، تم ري المناطق المحيطة بمدينة مرو بواسطة خزان هاوزخان والقنوات المرتبطة به.
كما أنه مع تزايد النفوذ الاجتماعي والسياسي لشيوخ جويبور، توسعت شبكات الري في الأراضي التابعة لهم، حيث استُخرجت قنوات من نهر وخش لزيادة القدرة الإنتاجية لهذه الأراضي. ورغم أن هذه المشاريع اعتمدت غالباً على العمل الإجباري للسكان المحليين، فإن نتائجها كانت مؤثرة بشكل ملحوظ على اقتصاد البلاد.
في عهد عبد الله خان الثاني، دخلت خانية بخارى مرحلة من الازدهار السياسي والاقتصادي والثقافي. فقد اعتُبر تطور نظام الري، وتحسن علاقات الأرض والمياه، وازدهار العمران، والحرف اليدوية، والتجارة من أبرز مؤشرات التقدم في تلك الفترة. وقد أولى عبد الله خان اهتماماً كبيراً عبر الإصلاحات الزراعية لاستقرار الزراعة ورفع مستوى رفاهية السكان، وتم تعزيز الأسس الاقتصادية للبلاد من خلال تنظيم مسألة ملكية الأراضي وتطوير منشآت الري.
وبمبادرة من رئيس جمهوريتنا، يهدف مركز الحضارة الاسلامية في أوزبكستان، الجاري إنشاؤه، إلى دراسة هذا التراث العلمي والثقافي بعمق والترويج له على الصعيد الدولي. ولا يقتصر نشاط المركز على طرح الرؤى الدينية والتنويرية، بل يولي اهتماماً خاصاً أيضاً لتحليل أنظمة الري التاريخية، وثقافة العمران، والإصلاحات الاقتصادية. وهذا يتيح إحياء الذاكرة التاريخية والاستفادة منها كمصدر إلهام للتنمية المعاصرة.
وهكذا، فإن المنشآت الهندسية الكبرى مثل سد عبد الله خان والإصلاحات السياسية والاقتصادية المرتبطة بها، تكتسب اليوم أهمية عملية في مسار تطور أوزبكستان. فالإصلاحات القائمة على الخبرة التاريخية، والإدارة العادلة، والمناهج العلمية، تخدم مستقبل بلادنا المستقر والمزدهر.
حسان تورسونوف
ملاحظة: يمكن الاستفادة من المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز.










