المدينة داخل المدينة

🔴 موطن الحرفة والسلطة
🔴 سند القرون في مرآة الزمان
في حياة الشعب الأوزبكي تحمل كلمة محلة معنى أوسع وأعمق من مجرد وحدة إقليمية بسيطة. فهذه الكلمة ذات أصل عربي تعني المكان. وخلال المسيرة التاريخية سُمّيت بأسماء شتى في مناطق مختلفة مثل محلّات، گزار، جماعة، إلات. أما اليوم فهي لا تمثل وحدة إدارية فحسب، بل هي التعبير الأوضح عن الاحترام المتبادل والتضامن والمسؤولية الجماعية.
الجذور التاريخية
ترتبط المحلة بتاريخها ارتباطاً وثيقاً بأولى البُنى الجماعية للبشرية. فوفقاً للمصادر الأثرية، عاش في موقع سوبولتيپه خلال العصر النحاسي ثماني عائلات في مكان واحد، وكانت تربطهم مصالح الإنتاج المشترك إضافة إلى روابط القرابة. ومع مرور الزمن تجاوز عدد العائلات المئة، وصار يدير الجماعة شيوخ، وكان الشيوخ يجتمعون في مجلس أعلى ليتخذوا القرارات المتعلقة بالحياة القروية، وعقد الصلح، وتحديد الضرائب، وتنظيم الأعمال المشتركة.
ومن القرن الثالث قبل الميلاد حتى أوائل القرن الخامس الميلادي لعب مجلس الشيوخ في دولة فرغانة (باركانه) دوراً رئيسياً في القرارات السياسية والاجتماعية. واستمرت هذه التقاليد في العصور اللاحقة حيث ظل نظام إدارة المحلة يقوم على الاتفاق الجماعي والمسؤولية المشتركة.
وقد ذكر نرشخي في كتابه تاريخ بخارى قبل ١١٠٠ عام أن بخارى كانت تضم عدداً من المحلات. كما وصف علي شير نوائي المحلة في حيرة الأبرار بأنها مدينة صغيرة داخل المدينة. وفي عهد أمير تيمور تكوّنت المحلات على أساس الحِرفة: كالذهب، والنحاس، والدباغة، وصناعة السكاكين وغيرها. فلم تكن المحلة مجرد مكان للسكن بل شكلاً خاصاً من السلطة المحلية تحكمه قواعد غير مكتوبة.
ليست بقايا الماضي بل على العكس...
المحلة، إلى جانب كونها وحدة إدارية صغيرة، فهي جماعة من الناس ترتبط بالقيم والعادات والتقاليد المشتركة. كانوا ينظمون المراسم سوياً، ويعمرون المكان، ويربّون الشباب، ويحافظون على النظام، ويتابعون الطقوس. من خلال الحَشر كانوا ينظفون الجداول، ويرممون الطرقات، ويعززون التضامن الاجتماعي.
في أوائل القرن العشرين كانت المحلات تُدار من قِبل الشيوخ. وكان اليزباشي ومساعدوه يديرون شؤون المجتمع ويدافعون عن مصالح الناس. لكن في العهد السوفيتي اعتُبرت المحلات بقايا الماضي، وقُيّدت حقوقها وصلاحياتها. ومع ذلك أثبتت المحلة حيويتها وحافظت على تقاليدها.
إحياء المحلة في عهد الاستقلال
بعد استقلال أوزبكستان استعادَت المحلة مكانتها في حياة الدولة والمجتمع. فبموجب قانون أجهزة الإدارة الذاتية للمواطنين الصادر سنة ١٩٩٣ اكتسبت المحلات صفة شخصية اعتبارية، وأصبح لها ممتلكاتها وميزانيتها وحسابها البنكي، مع حق إنشاء الإنتاج وفتح المشاريع الصغيرة ومساعدة المحتاجين وخدمة السكان.
وفي ١٧ أغسطس ١٩٩٣ تأسس صندوق المحلة الخيري الذي باشر أعمالاً واسعة لحماية مصالح الأسر الفقيرة والمسنين وذوي الإعاقة والأسر كثيرة الأطفال والأيتام. كما خصصت جريدة المحلة لتغطية هذه الأنشطة.
تلعب المحلة دوراً لا يُقدّر بثمن في ضمان حياة سلمية في بلادنا، وترسيخ الصداقة والتلاحم بين القوميات، وتربية الشباب على القيم الوطنية والإنسانية مثل حسن الجوار، والاحترام المتبادل، والرحمة، والرعاية، والوطنية.
وبموجب مرسوم الرئيس الصادر في ٢١ ديسمبر ٢٠٢٣ رقم بف–٢٠٩ وقرار رقم بق–٤٠٢ أُنشئت جمعية محلات أوزبكستان. وتعمل هذه الإصلاحات على تعزيز دور مؤسسة المحلة أكثر في المجتمع وترسيخها كـحلقة أولى في معالجة قضايا السكان.
محلة أوزبكستان الجديدة
اليوم ترتقي فكرة المحلة إلى مرحلة جديدة. ففي إطار مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يُخطط لإنشاء نموذج خاص للمحلة ضمن قسم أوزبكستان الجديدة – أساس النهضة الجديدة. وهناك سيشعر الزائر وكأنه يتجول في محلة أوزبكية حديثة حقيقية.
والمثير أن المعرض لن يجسد منطقة واحدة فقط، بل سيجمع تجارب متقدمة من مختلف المناطق. على سبيل المثال، سيُعرض عملياً كيف يمكن للمواطنين من خلال نظام سباعية المحلة دفع الضرائب والحصول على الخدمات مباشرة في المحلة دون الحاجة للذهاب إلى مركز المنطقة.
وفي إطار المشروع سيُنشأ كتالوج رقمي يغطي الجوانب التاريخية والثقافية والاجتماعية لكل محلة. كما ستُنتَج أبحاث علمية وأفلام وثائقية وقصيرة وتُعرض بتقنية ثلاثية الأبعاد. وهذا سيتيح للزوار والأوزبك أنفسهم إدراك مدى تفرّد وتميز مؤسسة المحلة.
ومن خلال التجوال في المعرض سيشعر المشاهد بملامح أوزبكستان الجديدة خطوة بخطوة، ويدرك أن المحلة هي ركيزة اجتازها المجتمع الأوزبكي عبر القرون، وأن مفاهيم قيمة الإنسان والتضامن الاجتماعي التي تتجسد فيها لم تفقد أهميتها حتى اليوم.
شاهنوزة رحمونوفة
ملاحظة: يمكن الاستفادة من المقال مع الإشارة إلى الرابط الرسمي للموقع الخاص بالمركز.









