البخارهودات و ورخشة: تاريخ مكتوب على الجدران

🔴 أسرار القصر القديم
🔴 موطن الفن والقوة
إن نموذج قصر ورخشة المعروض في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان هو إعادة بناء علمية لقصر بُني في القرن الثامن وكان مقراً لحكام بخارهودات. ويُجسّد بوضوح وبشكل بصري خصائص مميزة من تخطيط المدن، وأنظمة الدفاع، وعمارة القصور في آسيا الوسطى. وقد أُنجز النموذج اعتماداً على نتائج الحفريات التي قادها شيشكين بين سنتي ١٩٣٧–١٩٣٩ و١٩٤٧–١٩٥٥، وعلى أبحاث لاحقة في ١٩٨٦ و١٩٩١، إضافة إلى المكتشفات الأثرية الأخيرة.
يُظهر النموذج القلعة المحاطة بأسوار طينية عالية، والفناء المركزي، وثلاث قاعات رئيسية: الشرقية، والغربية، والحمراء. وتتميز إعادة بناء القاعة الحمراء بأهمية خاصة. ففي القرن الثامن كانت جدران هذه القاعة مزينة بفريز جداري يبلغ ارتفاعه ١٫٦٣ م وطوله ٩٫٠٢ م، يصور بطلاً يقاتل على ظهر فيل وحوشاً برية وكائنات أسطورية. وما زال جزء كبير منه محفوظاً في متحف الإرميتاج الحكومي في سانت بطرسبورغ.
تقع مدينة ورخشة على بُعد ٣٩–٤٥ كم من بخارى، وحولها ١٢ قناة للري. وكانت محطة مهمة على الفرع الغربي لطريق الحرير. ويتيح النموذج للمشاهد تصور هذا المشهد التاريخي بشكل علمي ومرئي، مما يجعل المعرض لا يحيي الأثر التاريخي فحسب، بل يوضح أيضاً الأهمية الحضارية لورخشة.
الأهمية التاريخية والبنية المعمارية
في القرن السابع كان قصر ورخشة مقراً لحكام بخارهودات، ومركزاً سياسياً وثقافياً كبيراً في واحة بخارى. كانت القلعة محاطة بأسوار طينية عالية، تضم مباني إدارية وغرف سكنية للعائلة الحاكمة وقاعات للمراسيم ومساكن للخدم. وصلت الأسوار في بعض الأماكن إلى ٢٠ متراً، بينما بلغت أسوار الشهرستان الخارجية ١٠ أمتار. أما أبراج الدفاع الغربية فكانت متباعدة بنحو ٣٠ متراً، وكان يحيط بالمدينة خندق مملوء بالماء لتأمين الحماية.
بُني القصر حول فناء داخلي، وضمت قاعاته الثلاث الرئيسية:
- القاعة الشرقية: جدرانها تحمل مشاهد على خلفية زرقاء، منها حاكم على عرش يرتكز على جمال مجنحة، ومشاهد طقسية أمام مذبح النار، في انعكاس للتقاليد الزرادشتية التي انتشرت بين النبلاء السغديين.
- القاعة الغربية: صورها تركز على مشاهد الحرب والصيد، مثل فرسان يطاردون وحوشاً برية، وإظهار براعتهم في استخدام الرماح والأقواس، مما يُظهر مهارة الفنان.
- القاعة الحمراء: أكثر أجزاء القصر ثراءً بالزخارف، إذ احتوى فريزها على تركيبة ذات مستويين: في الأسفل بطل يقاتل على ظهر فيل نموراً وفهوداً وتنانين مجنحة، وفي الأعلى موكب احتفالي للحيوانات.
الفن
تعددت التفسيرات العلمية لصورة البطل المركزي في فريز القاعة الحمراء. بعض العلماء ربطوه بإندرا في البانثيون الهندي. أما ملامح الفيل الغريبة مثل الرأس الصغير والأرجل القصيرة والأنياب الخارجة من الفك السفلي فتشير إلى أن تصويره كان غريباً على الفنانين المحليين. جزء كبير من الفريز محفوظ في الإرميتاج، فيما توجد أجزاء أخرى في متاحف أوزبكستان وروسيا.
نظام الدفاع والري
تمتعت ورخشة بنظام دفاع متين. الأسوار والأبراج والخنادق المائية وفرت الأمن للمدينة. ووفقاً لكتابات نرشخي، كان في المنطقة ١٢ قناة ري تستمد مياهها من نهر زرافشان، لعبت دوراً أساسياً في الزراعة. لكن انهيار هذا النظام في القرنين الثامن والتاسع أدى إلى تراجع عدد السكان وانحسار المدينة.
المكتشفات الأثرية
كشفت الحفريات بين ١٩٣٧–١٩٣٩ و١٩٤٧–١٩٥٥ عن فخار وأدوات برونزية وحديدية وزينة وأعمال جصية. أما زخارف الجص فنُفذت بنقوش هندسية ونباتية معقدة، منسجمة مع الرسوم الجدارية. وفي بحوث ٢٠٢٠ اكتُشف أكثر من ١٠٠ قطعة من النحاس والبرونز والفضة والرصاص تعود إلى القرنين ١١–١٢، مما يدل على استمرار النشاط الحرفي والاقتصادي في ورخشة.
قصر ورخشة ليس مجرد مقر قديم لحكام بخارهودات، بل هو أثر فريد يجسد الازدهار السياسي والثقافي والفني في حضارة آسيا الوسطى. جدرانه المزخرفة في القرن الثامن، والنقوش الجصية المعقدة، والتخطيط المعماري واسع النطاق، ونظامه الدفاعي القوي كلها شواهد على أهميته الإقليمية والدولية. وبموقعه على طريق الحرير شكّل نقطة التقاء للثقافات الشرقية والغربية.
اليوم يُعرض نموذج قصر ورخشة في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان كوسيلة علمية لتعريف الجمهور العريض بتاريخه. وهو يغذي الباحثين والأجيال الصاعدة بقيمه الفنية والمعمارية والتاريخية الفريدة.
حسان تورسونوف
ملاحظة: يمكن استخدام المقالة مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز










