(؟) الحجر الذي أُلقي على نوائي يوقظ كل أوزبكي

🔴 خطر فقدان التاريخ والذاكرة
🔴 إهانة أم إعادة إعمار؟
انتشرت في الأيام الأخيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام أنباء عن تدمير نصب تذكاري للمفكر العظيم علي شير نوائي في أفغانستان المجاورة. وبعد فترة قصيرة، أصدرت وزارة الخارجية في جمهورية أوزبكستان بيانا أعلنت فيه أنها تواصلت مع الحكومة الأفغانية بشأن القضية، وأن الوضع تحت السيطرة.
وقد أثار هذا التصرف من جانب طالبان غضب عدد من المثقفين والساسة، الذين اعتبروا أن طالبان لا تبالي بقيم الشعوب الروحية ولا بفخر الإنسانية التاريخي، بل تمارس عمليا محو الهوية الثقافية والتاريخية للبلاد وانتقاصها.
كما أصدر ناشطو الأوزبك في أفغانستان يوم ٢٠ أغسطس بيانا يدينون فيه عمل الحكومة المؤقتة. واعتبرت قرابة ٢٠ منظمة اجتماعية في البيان أن تدمير تمثال علي شير نوائي هجوم على الذاكرة الجمعية للشعب وعلى المكانة الروحية لأفغانستان. ودعا البيان المجتمع الدولي والمؤسسات الثقافية والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى اتخاذ خطوات عاجلة لحماية التراث التاريخي والثقافي لشعوب أفغانستان.
ومن المعلوم أن هذا النصب التذكاري لعلاء الدين نوائي على هيئة باريلِيف قد أُقيم عام ٢٠٠٨ من قبل بلدية مدينة مزار الشريف تخليدا لذكراه. وفي ديسمبر ٢٠٢٠، زارت وفود أوزبكية أفغانستان وأجرت مفاوضات بشأن ترميم ضريح علي شير نوائي في هرات، وفي مايو ٢٠٢١ قام عدد من مثقفي أوزبك بزيارة الضريح وشاركوا في مؤتمر دولي مكرس لإبداع الشاعر.
وفي ١٥ أغسطس ٢٠٢١ انتقلت السلطة في أفغانستان إلى حركة طالبان. وبعد مرور أربع سنوات، لا يزال المجتمع الدولي مترددا في الاعتراف بالحكومة الجديدة. ومع ذلك، تسعى أوزبكستان إلى تطوير علاقاتها مع الدولة المجاورة على مختلف الأصعدة، وتولي اهتماما خاصا بأعمال الإعمار فيها، وتبعث إليها من حين لآخر مساعدات إنسانية. كما يواصل قادة أوزبكستان طرح مبادراتهم بانتظام على الساحة الدولية لضمان السلام والأمن في أفغانستان وتقديم الدعم لها.
وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن أفغانستان في عصور الغزنويين والخوارزميين والتيموريين والشيبانيين وسلالات تركية أخرى كانت جزءا مهما من الدولة الأوزبكية. فقد نُفذت فيها مشروعات عمرانية كبرى بمبادرات من أمير تيمور، وشاهرخ ميرزا، وحسين بايقرا، وعلي شير نوائي. واليوم يشكل الأوزبك نسبة كبيرة من سكان أفغانستان، وتأتي اللغة الأوزبكية في المرتبة الثالثة من حيث الاستخدام هناك. وتشير البيانات إلى أن أكثر من ثمانية ملايين أوزبكي يعيشون في البلاد حاليا. وتُعد مزار الشريف مركز ولاية بلخ، وهي واحدة من ثماني ولايات كبرى يتركز فيها الأوزبك.
وتذكر الروايات أنه لأسباب معينة نُقلت بقايا جثمان الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) من النجف بالعراق إلى هنا ودفنت من جديد لحمايتها من انتهاك الأعداء. وفيما بعد، بُني فوق القبر الجديد ضريح في عهد السلطان السلجوقي سنجر، وصار من أكبر الآثار المعمارية في المدينة. وفي العهد التيموري، وبمبادرة السلطان حسين بايقرا، تم توسيع المجمع وبناء مسجد جامع كبير فيه. وأصبح هذا المجمع يُعرف لاحقا بين الناس بالمسجد الأزرق، وصار بطاقة تعريفية لمزار الشريف. وكان شقيق علي شير نوائي، درويش علي، قد تولى حكم ولاية بلخ لفترة معينة. كما أن نوائي نفسه زار بلخ وضواحيها عدة مرات وأسهم في إعمارها.
وقد خلد نوائي في أعماله كثيرا من مدن هرات وخراسان. ففي ملحمته حيرة الأبرار خصص فصلا لوصف هرات، حيث عبّر عن حبه العميق لمدينته الأم، وأكد أنه لا يبدلها بأجمل مدن الدنيا. وخلال حياته بنى علي شير نوائي أكثر من ٣٠٠ منشأة مختلفة في هرات وغيرها من مدن خراسان، وما زال الكثير منها قائما إلى يومنا هذا، بينما دُمر بعضها في أثناء الحروب الأهلية في أفغانستان. والحقيقة أن علي شير نوائي يستحق كل أشكال التكريم والاحترام لا في بلخ ومزار الشريف فحسب، بل في جميع أنحاء أفغانستان.
يمكن القول إن ما حدث في مزار الشريف يُعد حقا ظلما في حق شخصية علي شير نوائي.
ووفق بيان وزارة الخارجية الأوزبكية، فقد جرى التواصل مع ممثلي حكومة طالبان المؤقتة للحصول على تفسير رسمي. وجاء في رد الحكومة الأفغانية أن الموقع الذي نُصب فيه تمثال علي شير نوائي لم يكن لائقا بما يكفي لتخليد ذكرى هذا العلّامة العظيم، وأنه ينبغي بناء مجمع أكثر روعة يليق بالشاعر والمفكر، ولذلك تمت إزالة النصب من قبل السلطات المحلية. وفي الوقت نفسه، أقر المسؤولون الأفغان بأن إزالة النصب لم تتم بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام ولا مع الرأي العام. كما أكدوا أن ذكرى علي شير نوائي، التي تحظى بالتبجيل ليس في أوزبكستان فحسب، بل لدى الشعب الأفغاني أيضا، ستُخلّد بطريقة تليق بمكانته، وتعهدوا بإقامة نصب جديد على شرفه.
وجاء في التصريح:
أوضح ممثلو أفغانستان أن من المخطط تهيئة المنطقة المحيطة، وإعادة النقوش التي تتضمن معلومات عن حياة الشاعر وإرثه الإبداعي، وبناء نصب جديد وفقا للقرارات السارية، وإطلاق اسم الشاعر العظيم علي شير نوائي على الساحة التي سيقام فيها. وأكد الجانب الأفغاني التزامه الصارم بالحفاظ على ذكرى هذا المفكر العظيم الذي يُعد عزيزا على المنطقة كلها، مشددا على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتكريم اسمه على نحو لائق.
ولا شك أن تحسين العلاقات مع أفغانستان، جارتنا الجنوبية، أمر مهم للطرفين على حد سواء. فأوزبكستان ما زالت تقدم الدعم الشامل للحكومة الأفغانية الجديدة ولشعبها. ومن ثم ينبغي أن تكون قيادة بلادنا على اطلاع دائم بمثل هذه الحوادث غير السارة، وألا يُسمح بالمساس بذكرى كبار المستنيرين الأوزبك.
رستم جباروف
ملاحظة: أثناء كتابة هذا المقال، ظهرت على المواقع الإلكترونية أنباء عن شروع السلطات الأفغانية في إعادة بناء نصب علي شير نوائي في مزار الشريف. وسنواصل متابعة تطورات الأحداث.








