هدية النواب، كنز الجنرال – التاريخ الغامض للسيف النادر

🔴 مزاد سوذبيز وإرث المغول
🔴 من عهد المغول إلى كنوز أوزبكستان
في يوم ٢٩ أبريل من هذا العام، عُرض في دار المزادات سوذبيز (Sotheby’s) بمدينة لندن في بريطانيا عدد كبير من السيوف والخناجر النادرة من مجموعة فيليب ميسسيليه. ومن بينها سيف قدّمه نواب أوده أصف الدولة، أحد وزراء شاه عالم الأول من أسرة المغول، هدية إلى الجنرال الإنجليزي كلود مارتن.
جبل يستند إليه دولة المغول
الإمبراطورية المغولية العظيمة التي أسسها القائد الكبير ظهیر الدين محمد بابر حكمت معظم أنحاء الهند لمدة ٣٣٢ سنة. وقد ضمّت الإمبراطورية خلال قرون طويلة العديد من الولايات والدول المستقلة أو شبه المستقلة. وكانت الدول الصغيرة التابعة للمغول تُدار غالبًا من قبل سلالات محلية، وعادةً ما يُعيّن حكامها من قِبَل الأسرة المغولية.
ومن بين تلك الولايات، كانت أوده (أودهة) في شمال الهند تُعتبر جزءًا مهمًا من الإمبراطورية المغولية. وكان حاكم أوده (النواب) يشغل في الوقت نفسه منصب وزير في البلاط المغولي. وكان من بينهم النواب أصف الدولة (١٧٤٨-١٧٩٧) أحد كبار رجال الدولة في الإمبراطورية. تولّى منصب الوزارة والنوابية سنة ١٧٧٥ بعد وفاة والده شجاع الدولة.
ومن المعلوم أن الحكومة البريطانية في تلك الفترة كانت تُخضع الهند عبر شركة "الهند الشرقية". وخاصةً في عهد شاه عالم الثاني، واجهت الإمبراطورية تراجعًا اقتصاديًا وعسكريًا. وفي مثل هذه الظروف، ظل نواب أوده الوزير أصف الدولة يخدم بإخلاص حاكم المغول. وقد ساهم بشكل كبير في ضبط العلاقات مع الإنجليز، وفي الحفاظ على السلام والأمن والاستقرار في البلاد.
ولم يقتصر دور أصف الدولة على ولايته أوده فحسب، بل ساهم في تنفيذ إصلاحات في أنحاء الهند كلها. ففي مدن مثل فيض آباد ولكهنؤ، بادر إلى إنشاء عدد من المساجد والمدارس والمستشفيات والخانات.
الجنرال الفرنسي في الجيش الإنجليزي
تأسست شركة "الهند الشرقية" سنة ١٦٠٠ بهدف تعزيز التجارة مع الهند، لكنها عبر القرون تحوّلت إلى رمز لسياسة الاستعمار البريطاني. ومع توسّع صلاحياتها بدأت تستولي بأسلحتها الحديثة على مناطق واسعة من الهند.
ومن بين آلاف الجنود الإنجليز في الهند لم يكن هناك قادة أشدّاء فحسب، بل أيضًا ضباط مثقفون أبدوا شغفًا بالفن والثقافة والعلم. ومن هؤلاء كلود مارتن (١٧٣٥-١٨٠٠) ذو الأصول الفرنسية، الذي نشأ وهو مولع بتاريخ الشرق وفنونه.
في تلك الحقبة أبدى الفرنسيون اهتمامًا متزايدًا بالشرق، وخاصة بالهند، فأسسوا سنة ١٦٦٤ على غرار الإنجليز شركتهم الهند الشرقية الفرنسية .التحق كلود مارتن بهذه الشركة وهو في السادسة عشرة، ولم يمض وقت طويل حتى سافر إلى الهند. خدم قرابة عشر سنوات كضابط فيها. وفي سنة ١٧٦١ استولى الإنجليز على مقاطعة بونديشيري التابعة للفرنسيين في الهند، فتكبد الفرنسيون خسائر فادحة. وبعد زمن التحق كلود مارتن بالجيش الفرنسي، ومن ثم بدأت مسيرته الحقيقية.
وفي ولاية أوده آنذاك كان للإنجليز وجود عسكري كبير، وتعاون الحكام المحليون معهم، وكان للإنجليز نفوذ واسع في أوساط رجال البلاط.
لفت كلود مارتن بفضل علمه وخبرته وحيويته انتباه النواب شجاع الدولة. ثم عيّنه أصف الدولة، الذي تولّى الحكم بعد والده، مسؤولًا عن ترسانة الدولة.
وعلى الرغم من كونه أجنبيًا في الدين والقومية، فقد كان كلود مارتن يولي احترامًا خاصًا للإمبراطورية المغولية. وبسبب ولائه وخدماته نال أوسمة وهدايا من كلٍّ من الحكومة البريطانية والمغول. وفي سنة ١٧٩٥ حصل على رتبة لواء من القيادة العسكرية البريطانية. وتوفي في لكهنؤ سنة ١٨٠٠.
كنز الجنرال الثمين
كان كلود مارتن قائدًا بارعًا، وفي الوقت نفسه عاشقًا مهووسًا بالآثار. فقد حافظ على صلات دائمة مع الرسامين والعلماء والشعراء والفنانين في الهند. وكان يشتري الكثير من لوحات الرسامين الهنود بأثمان باهظة لمعرضه الخاص.
وأنشأ في قصره متحفًا خاصًا جمع فيه آلاف القطع النادرة المتعلقة بتاريخ الهند، كما خصص مجموعة خاصة للهدايا التي تلقاها من الحكام والأصدقاء المقربين.
وفي أحد الأيام، كافأه النواب أصف الدولة على جهوده فأهداه سيفًا مرصعًا بالذهب والفضة والأحجار الكريمة. وعلى نصله الفولاذي الممتاز نُقشت عبارة بالفارسية: به حكم سرکار اعلیجاه نواب آصف الدولة، والی اوده جنرال مارتن صاحب "اوست اندیا کمپنی" عطای فرمایی سنه ١٢٠١ هجری (أي مُنح هذا السيف من قِبل سمو أصف الدولة، والي أوده، للجنرال مارتن صاحب شركة الهند الشرقية" في سنة ١٢٠١ هـ). ووفقًا لهذا النص، فقد أُهدي السيف للجنرال بين سنتي ١٧٨٦-١٧٨٧ ميلاديًا.
احتفظ كلود مارتن بهذا السيف حتى آخر عمره كواحد من أثمن الهدايا. وبعد وفاته تفرّقت مقتنياته النادرة عبر المزادات في شتى أنحاء العالم. وقد بيع هذا السيف آخر مرة سنة ١٩٨٥ في مزادات "سوذبيز" بنيويورك لصالح مجموعة فيليب ميسسيليه (١٩٤٢-٢٠٠٢)، وحُفظ تحت رقم الجرد ١٧٦س. ثم عُرض في معارض دولية بالهند وفرنسا سنتي ٢٠١٠-٢٠١١.
واليوم… يُحفظ هذا السيف النادر كجوهرة من جواهر عصر المغول في كنوز مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
رستم جباروف
ملاحظة: يمكن الاستفادة من المقال مع الإشارة إلى رابط الموقع الرسمي للمركز.







