هل رأيت خريطة العالم التي أبدعها أجدادنا قبل ستة قرون؟
تخيّل أنك تقف أمام خريطةٍ للعالم رُسمت في القرن الخامس عشر. ليست هذه خريطةً عادية، بل هي نموذج ساطع لفكر وعلم عصر التيموريين. هذه الخريطة النادرة من نتاج قلم المؤرخ والجغرافي الشهير حافظِ أَبرُو، وقد وُضعت ضمن صفحات كتابه الجغرافيا.
واليوم، يُعرض هذا العمل إلى جانب إرثه الكبير تاريخ حافظ أَبرُو في قسم النهضة الثانية بمتحف مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان.
قلم ذهبي من بِهْدودين
وُلد حافظ أَبرُو عام ١٣٦١م في منطقة بِهْدودين بولاية خواف في خراسان. اسمه الكامل: مولانا شهاب الدين عبد الله بن لطف الله بن عبد الرشيد البِهْدوديني الخوافي، واشتهر في التاريخ بلقب حافظ أَبرُو.
منذ صغره تعلّم في همدان علوم القرآن والحديث والتفسير والتاريخ والجغرافيا والأدب والخط والهندسة. هذه العلوم انعكست بوضوح في مؤلفاته التاريخية والجغرافية. وقد توفي في ٢٤ يونيو ١٤٣٠م حسب ما تذكره المصادر.
لقاء مع أمير تيمور
كان أمير تيمور خلال حملاته يصطحب المؤرخين والروّاة لتسجيل أحداث التاريخ. في هذا السياق، برز حافظ أَبرُو ونال اهتمام القائد العظيم.
ويُعتقد أنه التقى بتيمور عام ١٣٨٤م خلال حملته على خراسان وإيران، وبدأ خدمته في تلك الفترة. في كتابه زبدة التواريخ أورد حافظ أَبرُو معلومات قيّمة عن اهتمام تيمور بالتاريخ ورعايته للمؤرخين.
إرثه العلمي في عهد شاهرُخ ميرزا
بعد وفاة تيمور، واصل حافظ أَبرُو نشاطه في هرات خلال حكم شاهرُخ ميرزا، حيث برز كعالم مؤرخ وجغرافي، وتولّى قيادة مجموعة المؤرخين في البلاط.
خلّف خلال حياته أكثر من ١٠ مؤلفات ورسائل، من أبرزها تاريخ حافظ أَبرُو والجغرافيا، التي تركت أثرًا عظيمًا في علم التاريخ والجغرافيا.
في تاريخ حافظ أَبرُو تناول الأحداث منذ العصور القديمة حتى زمانه، متطرقًا إلى السلالات، مؤسسيها، أنسابها والأحداث السياسية.
ويُعرض في قسم النهضة الثانية – قطاع شاهرُخ ميرزا نسخة من كتابه الجغرافيا المحفوظة في معهد الاستشراق بأكاديمية العلوم في أوزبكستان. وهو ثاني أهم مؤلف جغرافي فارسي بعد حدود العالم. وقد تضمن الكتاب خرائط متعددة أبرزها خريطة دائرية للعالم مرسومة بشبكة الدرجات، ما جعل الجغرافيين يعدّونها العمل الأروع لحافظ أَبرُو.
وتناول الكتاب المياه والجبال والبلدان والمدن والقرى، كما قدّم وصفًا مفصلًا لفارس وكرمان وخراسان وما وراء النهر، مع ذكر مدن مثل سمرقند وبخارى وكَش ونخشب وترمذ، فضلًا عن الأنهار كجيحون وسيحون ومُرغاب. كما تضمّن بيانات عن المسافات والمساحات.
أهم مؤلفاته
◾️ تاريخ حضرت صاحبقران
◾️ تاريخ شاهرُخ ميرزا
◾️ تاريخ أمراء سربدارية
◾️ مجموعه حافظ أَبرُو
◾️ مجمع التواريخ السلطانية
◾️ الذيل
تُعد هذه المؤلفات مصادر أساسية لدراسة تاريخ الشرق في القرن الخامس عشر.
الأهمية المعاصرة لإرثه
لم يكتفِ حافظ أَبرُو بتسجيل التاريخ، بل حلّله وعبّر عن روح العصر بدقة. ولا تزال أعماله محفوظة في مكتبات سانت بطرسبرغ وأكسفورد وطشقند.
واليوم، تُعرض مؤلفاته في متحف مركز حضارة الإسلام ليطّلع عليها الجمهور، مما يتيح فهماً أعمق للثروات الفكرية لحضارة الشرق في العصور الوسطى.
حافظ أَبرُو يُذكر بوصفه سلطان التأريخ في العصر التيموري ورمزًا خالدًا للعلم والمعرفة.
غَوهَر إشونقُلوفا
أُعدّ هذا المقال استنادًا إلى مواد مشروع حافظ أَبرُو وإرثه العلمي المنجز ضمن برامج مركز حضارة الإسلام في أوزبكستان.







