...ألمي موجود

بالطبع قد يبدو أن هذا العنوان يمنح المقالة روحًا من الكآبة، ولكنه ليس فيه أي ملامة. نحن بعيدون كل البعد عن نية تشويه الماضي أو إلقاء اللوم على من سبقونا. ثم إننا لسنا بحاجة إلى البحث عن العبر في زوايا التاريخ المظلمة لكي نعكس قيمة أيامنا المشرقة وإنجازاتنا الحالية. وهنا يثور السؤال بشكل طبيعي: إذا كان كل شيء على ما يرام، فلماذا الألم؟
قدرت الله رفيقوف
عالم سياسة
الأساطير لا تعيش من تلقاء نفسها، بل تنتظر أن نهبها نحن حياتنا ودمنا. يكفي أن يجيب شخص واحد على ندائها في العالم، حتى تستعد الأساطير لأن ترويَنا بماء الحياة الذي لا ينضب. ومهمتنا أن لا ننساها. علينا أن نصنع ما يجعل أي أسطورة لا تغفو في نوم الموت، هكذا قال ألبير كامو ذات يوم.
ومصدر الحزن، وإن لم يكن مطابقًا تمامًا، قريب جدًا مما يقوله الأديب الفرنسي. لقد نسينا نحن أيضًا لسنوات طويلة تاريخنا الأسطوري، ثقافتنا، من هم أجدادنا، وأين كان مكاننا في هذا العالم. اعتدنا أن يُنظر إلينا كأننا في أطراف الدنيا، كشعب ودولة من الدرجة الثالثة. وما هو أشد ألمًا أن مكانتنا الثقافية والتاريخية على مسرح العالم المعاصر «اختفت» كالماء الذي يتسرب في الرمل... كلمتا «أوزبك» و«أوزبكستان» انحرفت عن معناها الحقيقي، وصارتا تشير فقط إلى نقطة جغرافية على الخريطة يُلجأ إليها لمعرفة مكان ما. وصار اللاحقة «ستان» في اسم بلدنا تختلط بين بقية «الستانات»، وتُذكر بلا مبالاة، وأحيانًا بسخرية.
وإذا أردنا أن نأخذ الأمر بجدية، فإن مقولة أحد كبار علماء السياسة الأجانب تنطبق تمامًا على واقعنا: «...عمومًا، اليوم غالبية الناس في الخارج لا يعيرون اهتمامًا لوطن ابن سينا والبيروني، وينظرون إليه كمنطقة مضطربة يجب عبورها للوصول إلى مكان آخر». نعم، كان محقًا في ذلك. ولسنا بحاجة أن نغضب من توصيفه، لأن الواقع لم يكن أفضل من ذلك.
مع أن وطننا، كما أشار ذلك السياسي، ليس أبدًا «مستحقًا» لأن يتيه بين بقية «الستانات»، لما يملكه من إرث فكري وثقافي، وتقاليد سياسية وعسكرية عظيمة.
فهذه الأرض كانت مهد نهضتين عظيمتين تركتا أثرًا خالدًا في تاريخ الإنسانية – النهضة الإسلامية ونهضة التيموريين. وكانت مركزًا لإمبراطوريات ودول قوية حكمت نصف العالم.
لكن أين هو ذلك التاريخ، أين هي تلك الذاكرة التي تهبنا العز والشرف والعظمة والروح الكبيرة؟!
كل إنسان يعرف ولو قليلًا عن تاريخنا وجذورنا سيقف عند هذا السؤال متأملًا، ويشعر بألم خافت ينغرس في قلبه.
وأنا على يقين أن المحللين الفطنين والمثقفين يدركون اليوم أي طريق سلكته أوزبكستان، وما الذي يجري هنا. لكن هناك جانبًا دقيقًا أشك أن الجميع قد انتبه له. وما زلت ثابتًا على ما قلته في مقالات سابقة: إن هذا البلد وشعبه، الذي اضطر لتحمل الكثير من المحن لسنوات طويلة، قد عزم اليوم ليس فقط على ترسيخ سيادة الدولة، بل على استعادة ذكرى الماضي العظيم المنسي، وثقافته، وإرث أجداده الذي اقتُلع من صدره، وأن يجد هويته من جديد، ويشرع في تجديد معنويته، وهذا وصف دقيق لما يحدث.
قطعة من كسوة الكعبة أُهديت إلى مركز الحضارة الإسلامية.
قاعة متحف الإمام البخاري الابتكاري
مخطوطة قديمة للقرآن الكريم
مشروع جدار الزمن في مركز الحضارة الإسلامية
قاعة النهضة الثانية
حان وقت الكلام في مسألة أود أن أصرح بها بصراحة، فهي مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بموضوع مقالتنا اليوم. أتذكر جيدًا أنه عندما طُرحت مسألة "النهضة الثالثة" في بلادنا وتحوّلت إلى فكرة تُعلن من على المنابر العليا، كان هناك من سخر منها. ولو قلت اليوم إن مثل هؤلاء لم يعودوا موجودين فسأكون غير صادق – فما زال هناك من يحمل مثل هذه التصورات. لكن المشكلة أن هؤلاء لا يرون إلا القشرة السطحية للسياسة الجارية. ما يميز "ظاهرة شوكت ميرضيائيف" أنه لم يعبّر عن شغفه العميق وحبه الصادق لوطنه وشعبه بطريقة استعراضية، بل ظل فوق السخرية واللمز والتلميح من مختلف المستويات. لكن من يتابع نشاطه بجدية يمكنه أن يدرك الصورة الحقيقية والفكرة المتقدة في شخصية الرئيس.
لماذا أنشأنا مركز الحضارة الإسلامية؟ لكي نخلّد مجد أمتنا في التاريخ. أردنا أن ينحني كل من يخرج من هنا احترامًا لهذه الأمة...
هذا الاقتباس مأخوذ نصًا من كلمة حيّة ألقاها رئيسنا أثناء لقائه مع النشطاء عشية عيد الاستقلال هذا العام. أما النص التالي فهو من خطاب الرئيس لعام ٢٠٢٣. قال فيه:
حين نلقي نظرة إلى الماضي نُضطر للاعتراف بحقيقة مُرّة: عندما كان يُقال "أوزبك" كان يتصور الناس فقط أولئك الكادحين الذين يعملون ليل نهار في حقول القطن. للأسف وصلنا إلى هذا الحد.
لقد كانت هيمنة القطن بلاءً كُتب على جبين الأوزبك. سياسة القطن جففت أرال، وأدخلت بيئتنا في أزمة، وأفسدت اقتصادنا ونظامنا التعليمي. فكانت النتيجة أن نشأت عدة أجيال بنصف تعليم، وما زلنا حتى اليوم نصارع آثار ذلك.
قد يبدو لمن يقرأ هذين الاقتباسين متجاورين أن لا علاقة بين الأول والثاني، وهذا طبيعي لأنهما يختلفان من حيث الزمن والمحتوى. لكن وضعهما معًا في المقال له سبب: فهذا الأسلوب يساعدنا في استشفاف العالم الداخلي لرئيس الدولة، واكتشاف مقاصده وأفكاره الحقيقية.
وإذا تأملنا بعمق سنلاحظ أن ما خفي في الخطابين يجعلهما متوافقين في المعنى؛ فحديث الرئيس عن النهضة والارتقاء الروحي ليس مجرد شعبوية سياسية، بل فكرة تقوم على أساس راسخ وخطة واضحة. لاحظوا أن فكرة إنشاء "مركز الحضارة الإسلامية" طُرحت من قبل الرئيس في عام ٢٠١٧، أي في بداية عمله، وبدأ العمل على هذا المشروع العظيم. وفي تلك السنوات تحديدًا أصبح موضوع النهضة الثالثة، والتراث التاريخي والثقافي، بما في ذلك نهضة المسلمين ونهضة التيموريين من بعدهم، والاهتمام بذكرى الأجداد، جزءًا محوريًا من سياسة الرئيس الفكرية .وبكلمة واحدة، يبدو أحيانًا أن في داخله حُلمًا واحدًا يؤرقه باستمرار – وهو أن يضع كرامة الأمة والوطن في مكانها اللائق، ويعيد تعظيم مجدنا الذي دُوس أحيانًا بالأقدام…
لقد كان لي شرف أن أسمع مرارًا أحاديثه الصادقة عن ماضي شعبنا وتاريخ وطننا، حيث كان يقول: لماذا حين يُذكر الأوزبك أو أوزبكستان دائمًا يضربون الأمثلة بالقطن، والبَلوف، والدوبّي، والچَپّان، وأباريق وفناجين الشاي المرسوم عليها زهور القطن، وبالچايخانة والضيافة فقط؟ أليس لدينا ما نعرضه للعالم غير هذه الأشياء ليعرفونا بها؟ لماذا لا نعرض للعالم تاريخنا العظيم، إرث أجدادنا الذين حكموا الدنيا وأدهشوا العالم بنور علمهم؟ لماذا نخاف من هذه الذاكرة التاريخية العظيمة، نخفيها، نتجاهلها، نتردد في ذكر أسماء العظماء والتعريف بميراثهم للناس؟ أليس هؤلاء العظماء هم الذين علّموا الإنسانية من الرياضيات إلى الطب، ومن الفلك إلى الفلسفة والموسيقى، وهم من أسّسوا لعدد كبير من فروع العلوم الحديثة؟ أليس أجدادنا هم الذين بنوا إمبراطوريات من ألطاي إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن مصر إلى الهند، وكانوا يحاسبون العالم؟ فلماذا صرنا اليوم على هذا الحال، ولماذا صار أبناؤنا منكسي الرؤوس، منحنِي الأكتاف، وعيونهم شاخصة إلى الأرض؟..
لقد مضى ما يقارب الثلاثين عامًا على سماعي هذه الكلمات من فم شوكت ميرومونوفيتش. وأنا أعلم يقينًا أن هذا الألم الداخلي – همّ الأمة – قد نمّى فيه عبر الزمن روح الوطنية وحب الوطن، وجعله ابنًا غيورًا لشعبه.
والحقيقة أن عتابه الداخلي لم يكن بلا أساس، بل كان في منتهى العدالة. وإن أضفنا شيئًا من التعبير الأدبي، كان التاريخ يبدو وكأنه يظلمنا. لكن الحقيقة أن الأفكار العلمية والاكتشافات التي أبدعها أجدادنا العظام فتحت صفحة جديدة في تطور العلم والحضارة العالمية ليس فقط في العلوم الدقيقة، بل في التاريخ والجغرافيا والفلسفة والثقافة والفن والعمارة أيضًا. يكفي أن نذكر أن نظام الحساب الذي أسّسه جدنا الأكبر أبو موسى محمد الخوارزمي، وكتاب «القانون في الطب» لابن سينا، وقياس أبو الريحان البيروني لنصف قطر الأرض بدقة فائقة باستخدام أداة فلكية بسيطة، ووصول كريستوفر كولومبوس عام ١٤٩٢ إلى سواحل أمريكا اعتمادًا على حسابات أحمد الفرغاني لتحديد درجة الأرض – كل ذلك يشهد على العقل اللامحدود والقدرة العلمية الفائقة لآبائنا وأجدادنا. بل إن الاعتراف بأن ورق سمرقند كان يُعدّ الأفضل في العالم في زمانه، وأن الزينة في القصور والكنائس المرموقة في أوروبا كانت من الحرير المصنوع في وادي فرغانة، كل ذلك دليل واضح على القيمة اللامتناهية لإرثنا الروحي والمادي .ويأتي مثال أروع وأكثر إثارة يورده عالم السياسة الأمريكي الشهير فريدريك ستار في إحدى مقالاته، إذ يقول متحدثًا عن عصر النهضة الأولى: ...إن آخر انفجار ضخم لـ"الطاقة الثقافية" في آسيا الوسطى وقع تحت حكم السلاجقة الأتراك واستمر لأكثر من قرن ابتداءً من حوالي سنة ١٠٣٧. ومن عاصمتيهم الشرقية – مرو في تركمانستان الحالية ونيسابور على الحدود الأفغانية الإيرانية – دعموا المبدعين في مجالات كثيرة. ومن إنجازاتهم إدخال القبة المزدوجة التي تغطي مساحات واسعة. ويمكن رؤية نتائج الإنجازات الأولى اليوم في أطلال مرو المهجورة. ومن خلال "رحلة حول العالم" ابتداءً من قبة فيليبو برونلسكي في كاتدرائية فلورنسا وكاتدرائية القديس نيقولا في بطرسبرغ، وصل هذا الابتكار إلى قمته في قبة مبنى الكابيتول في واشنطن.
بلا شك، هذا الاعتراف العادل يدل على أن أجدادنا كانوا بلا نظير حتى في فن العمارة. ولكن من يعرف هذا اليوم ويعترف به سوى أربعة أو خمسة مختصين؟ من الذي يروّج أن لشعبنا ولوطننا مثل هذه الإمكانات العظيمة؟ لقد كنتُ أرى آنذاك في كلمات شوكت ميرومونوفيتش ونظراته هذا الحزن بالذات وصور تلك الأسئلة العالقة...
في منتصف القرن الماضي كتب أحد الفلاسفة الأوروبيين عن ويلات الحرب التي اجتاحت عصره وقارته والعالم، وقال: إذا كان الرسامون في مثل هذا العصر المروّع ما زالوا يرسمون دجاجات نائمة بهدوء في أعشاشهم، فهذا يعني أن الإيمان بالجمال والإبداع والسلام والخير لم ينطفئ بعد في قلب الإنسانية.
وأنا اليوم، بعد ما يقارب قرنًا من ذلك، أستطيع أن أضيف على كلام الفيلسوف ما يلي: في زمن يخيّم فيه شبح الفناء النووي على العالم (علما بأن منطقتنا تجاور أربع دول نووية)، والأدهى من ذلك أن إحدى القوى التي تزعم أنها صاحبة النظام العالمي تتحدث عن ضرورة تغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب»، فهل يجرؤ أحد أن ينكر عليّ إن سألت: أي قلب يجب أن يكون للإنسان حتى يتحدث عن حضارات البشرية وإرث الماضي والفن والخلود والقيم الإنسانية المشتركة ويجد الجرأة ليقوم بأعمال كبيرة في هذا المجال؟ أو إذا أشرت إلى ما قصده كامو بأن الأساطير يجب أن لا تغفو في نوم الموت، وأنه يجب أن يوجد في هذا العالم شخص واحد على الأقل يجرؤ على الاستجابة لندائها ويهبها حياة ودمًا، فهل يوجد من يقف في طريقي؟
لا شك أن الموضوع الذي نحلله يستحق مثل هذه اللغة المجازية والمفاهيم الفلسفية. فهذه الفكرة لا تكمن فيها مصلحة الأمة والوطن فحسب، بل تشير أيضًا إلى توجيه الفكر الإنساني إلى مجرى إنساني مشترك، وقرع جرس النهضة فوق عالم بات هرِمًا ومملًّا أكثر فأكثر، والتأكيد على أن الخير والجمال ما زالا موجودين في هذا الكون. وسنرجئ مناقشة هذه الأفكار قليلًا إلى وقت لاحق.
والآن دعونا نتحدث عن مسألة أخرى مهمة بالنسبة لنا. فأنا أقول دائمًا بشيء من الغيرة الداخلية إنه حين يُطرح موضوع «الحضارة الإسلامية» التي احتلت مكانة راسخة في التاريخ الثقافي العالمي، غالبًا ما تُستبعد بلادنا وشعبنا من «الحساب». في حين أن هذا الإرث الذي يحمل قيمة إنسانية عامة نحن أولى الناس به. فرغم أن بغداد كانت مركز الخلافة، ورغم أن البعض يحاول أن يربط تلك النهضة العظيمة بالشرق الأدنى وينسب كبار العلماء إلى العالم الفارسي أو العربي، يبقى المركز التاريخي و«القاعدة» الفكرية الأساسية ملكًا لنا. هذه حقيقة تاريخية لا جدال فيها. وقد عبّر فريدريك ستار عن هذا الرأي في أحد كتبه بعبارة دقيقة وعادلة: ...مع أن الخليفة المأمون عُيّن سنة ٨١٨ ميلادية، فإنه رفض مغادرة آسيا الوسطى، وظل يدير العالم الإسلامي من مدينة مرو الفريدة الواقعة في تركمانستان الحالية. وعندما انتقل لاحقًا إلى بغداد أخذ معه، إلى جانب جيوشه التركية، قيم آسيا الوسطى التي تشكلت من «مزيج» التأثيرات الفارسية والتركية. وقد جرى هذا الانتقال من آسيا الوسطى إلى الشرق الأدنى على غرار حركة "هجرة العقول" القديمة من المدارس اليونانية إلى روما.
العالم بول ووردسورث، الباحث في جامعة أكسفورد والمتخصص في دراسة العصور القديمة، يتحدث عن ماضي منطقتنا، فيقول عن مكانتها المهمة في النظام العالمي آنذاك: «يعتقد كثيرون أن المناطق المترابطة في القارة العظمى أوراسيا كانت دائمًا متصلة اتصالًا وثيقًا، – كما قال في مقابلة مع BBC لكن الحقيقة ليست كذلك. ففي آسيا الوسطى تقع أعلى جبال العالم، وتجري أنهار طويلة وجامحة.
وفي منتصف الألفية الأولى للميلاد اعتاد تجار آسيا الوسطى على اجتياز هذه المنطقة ذات الطبيعة المعقدة للقيام بالتجارة. ولم تكن المنطقة مجرد قلب طرق التجارة، بل كانت أيضًا تزدهر فيها العلوم والإبداع.
كان العلماء يتنقلون من مدينة إلى أخرى ليتبادلوا المعرفة. وقد أصبحت مدن مثل بخارى وسمرقند على طريق الحرير مراكز للعلم، وكانت بمثابة أكسفورد وكامبريدج لآسيا الوسطى في زمانها.
وغالبًا ما حين يُذكر طريق الحرير يفكر الناس عن قصد أو عن غير قصد إما بالصين أو بالإمبراطورية الرومانية، مما يخلق انطباعًا بأن الأراضي الواقعة بينهما كانت خاضعة لتأثيرات خارجية فحسب. لكن التاريخ الحقيقي لآسيا الوسطى يساعد على تغيير هذه الصور النمطية. فقد استطاع أهل هذه المنطقة بعقولهم النيرة وبثقافتهم الخاصة أن يوحّدوا أوراسيا.
لكن المشكلة، كما يؤكد ووردسورث، أن هذه المنطقة بقيت طويلًا في ظل التأثيرات الخارجية. وما يؤسف له أكثر أن هناك من يحاول اليوم أيضًا تصويرنا على أننا «حديقة خلفية» لقوة عظمى ما، ويعمل على إقصائنا.
ويجب أن نعترف أن نظرتنا للتاريخ كانت مختلفة في مراحل مختلفة. كانت هناك أوقات أصبحنا فيها عبيدًا طائعين للتاريخ، وأوقات أخرى لم نكتفِ إلا بالتسلية بالفخر به. كنّا نخيط ونقصّ على هواَنا، ونلائم التاريخ مع ما نريد. وللحديث بصراحة، يعرف الكثيرون كيف كانت نظرتنا للماضي في العهد السوفييتي. لكن حتى بعد الاستقلال لم يحدث تغيير كبير في علاقتنا بالماضي الثقافي. صحيح أنه لم يكن هناك جمود تام، فقد طُرحت مبادرات وأفكار، لكنها كانت غالبًا انتقائية.
وفي هذا السياق أود أن أذكر أن ما بدأ في شهرسبز ومرّ عبر سمرقند، ثم وجد تعبيره الشعري الكامل في قلب عاصمتنا طشقند – أي النصب البرونزي المهيب لصاحبقران العظيم – كان من أبرز ما أُنجز في السنوات الأولى من الاستقلال تكريمًا لشخصية جدنا الكبير وإرثه. وقد أُطلق اسمه على الساحة الواسعة والمهيبة التي نُصب فيها التمثال، وبُني بجوارها متحف تاريخ التيموريين، مما أوضح أكثر موقفنا الرسمي من إرث الماضي. كان في ذلك رسالة تقول إننا نتخذ صورة تيمور وسلطته رمزًا لدولتنا المستقلة (والجدير بالذكر أن هذه الفكرة قد طُرحت أول مرة على يد الجَدَيديين في تاريخنا القريب، ولم يقتصروا في ذلك على شخصية صاحبقران وحده، بل شملوا أتّيلا، بيلغا خاقان، أوزبك خان وحتى ذكرى چنكيز التي نتردد حيالها دائمًا، فقد كانت تنير فكرهم الوطني). وبصراحة، كان ذلك أمرًا مفهومًا بل وجديرًا بالثناء لجمهورية سوفييتية سابقة حصلت للتو على حريتها.
لكن لم تخلُ الساحة من استثناءات «تكسر» هذا الهدوء. ففي تلك الفترة، وإن لم يكن الأمر رسميًا، أصبحت نظرتنا للتاريخ – كما تحدثنا أعلاه – بحيث بدا وكأن ماضينا يبدأ وينتهي بتمور والتيموريين. وقد يبدو هذا الرأي قاسيًا بعض الشيء، لكنه لم يكن بعيدًا عن الواقع. صحيح أن بعض العلماء والشخصيات الذين عاشوا قبل ألف عام كانوا يُذكرون أحيانًا، وتُدرج أسماؤهم في الخطب لتزيين النصوص السياسية، لكن لم يُعترف أبدًا على نطاق واسع بأن لشعبنا ماضيًا يمتد أكثر من ثلاثة آلاف عام. وربما كان تعاملنا ذاك مع إرثنا سببًا في أن هناك من يقول اليوم إن البيروني والخوارزمي وابن سينا والفارابي وغيرهم من عظمائنا كانوا عربًا أو فرسًا. ومهما يكن، فقد كان ذلك رأيًا غريبًا وغير منطقي.
تأملوا، فقد كنا نتحدث آنذاك عن قدم مدننا وثقافتنا التي تعود لآلاف السنين، ونحتفل بـ«ألفيات» أو «ألفيتين» لبعض علمائنا الذين اعترفت بهم الدنيا، وفي الوقت نفسه نشجع على نحو غريب الفكرة القائلة إن تاريخنا الوطني يبدأ من القرن الرابع عشر – عصر تمور. والأعجب أننا كنا نغفل تمامًا عن عشرات القرون التي سبقته والستة قرون التي تلته، وكأن ذلك الماضي محكوم عليه بأن «يعيش» فقط في مخطوطات العلماء والكتّاب. وباختصار، كان ذلك في جوهره إخضاع التاريخ للأيديولوجيا والسياسة، حيث نقوم بانتقاء الماضي وتقليمه لنأخذ ما يناسب سياستنا ونستعمله لـ«حاجتنا»، سواء في سبيل الدولة أو الشعبوية السياسية والأيديولوجية.
فعلى سبيل المثال، من أجل تهدئة مشاعر المثقفين والجماهير، ومن أجل أن نظهر في نظر المجتمع الدولي وكأننا نخرج من «مستنقع» استعماري، نبني في يونس آباد مجمعًا ومزارًا لتخليد ذكرى ضحايا القمع، ونقرأ القرآن على أرواحهم مرة واحدة في السنة ونرفع أيدينا بالدعاء، لكننا لا نمحو أسماء هؤلاء الذين استشهدوا في سبيل الحرية من القوائم السوداء. وتبقى قائمة الذين أُعدموا بقرار من المحكمة العليا للاتحاد السوفييتي ووصِموا بـ«أعداء الشعب» كما هي...
حسنًا، هذا موضوع منفصل وعميق للغاية. سبب ذكره هنا هو أن هذا المثال يكشف بوضوح مدى صدق السياسة الرسمية أو عكس ذلك. ولهذا اكتفيت بالإشارة إليه بإيجاز.
والآن، سيكون من المناسب أن نتطرق إلى الموضوع الذي اتخذناه أساسًا لمقالنا. كما ذكرنا أعلاه، بدأ بناء هذا المجمع عام ٢٠١٧. ويقع المشروع في منطقة مجمّع حضرة الإمام الشهير في طشقند على مساحة تبلغ ١٠ هكتارات. يبلغ طول المبنى المهيب ١٦١ مترًا وعرضه ١١٨ مترًا، ويتكون من ثلاثة طوابق. أما القبة الزرقاء في الوسط فيبلغ ارتفاعها ٦٥ مترًا. أُقيم المبنى على مساحة ١٫٨ هكتار وتبلغ المساحة التشغيلية ٤٢ ألف متر مربع. وهذه الأرقام وحدها تدل على أن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان سيكون أحد أكبر المجمعات في العالم المكرسة لدراسة ونشر تاريخ الإسلام وثقافته وحضاراته. دعوني، بصفتي شخصًا رأى هذا الصرح المهيب بعينيه وشعر بفخر واعتزاز لا يوصف، أقدّم وصفًا أكثر تفصيلًا له.
تم تصميم المجمع وفق تقاليد العمارة الشرقية والوطنية، ويمكن الدخول إليه من أربعة بوابات رئيسية من الجهات الأربع. وزُيّن كل بوابة وواجهة المبنى بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تروّج لقيم مقدسة مثل العلم والمعرفة والتسامح وبرّ الوالدين.
ويضم متحف المركز قاعة القرآن الكريم، وقاعات مخصصة لحضارات ما قبل الإسلام، وعصر النهضة الأولى، وعصر النهضة الثانية، وفترة الخانات الأوزبك، وأوزبكستان في القرن العشرين، وأوزبكستان الجديدة – نهضة جديدة. إضافة إلى ذلك، يحتوي الطابق الثاني على مكاتب لهيئات دولية، وكذلك فروع لمؤسسات مثل مؤسسة الفرقان، ومركز أكسفورد لدراسات الإسلام، وأكثر من ١٠٠ معهد علمي ومتحف ومكتبة من تركيا وروسيا ودول آسيا الوسطى.
ومن اللافت أن المركز يعتمد أيضًا نظام تخطيط البحوث العلمية استنادًا إلى الخبرات المحلية والدولية. وهنا يجب أن نذكّر بحقيقة مهمة: نحن نتحدث كثيرًا اليوم عن النهضتين العظيمتين اللتين شهدتهما أرضنا، لكننا نادرًا ما نتأمل في كيفية حدوثهما فعليًا. ويُظهر التاريخ أن تلك النهضات حدثت عبر التبادل الحضاري والاندماج في العلم العالمي.
حسنًا، هذا موضوع منفصل وعميق للغاية. سبب ذكره هنا هو أن هذا المثال يكشف بوضوح مدى صدق السياسة الرسمية أو عكس ذلك. ولهذا اكتفيت بالإشارة إليه بإيجاز.
والآن، سيكون من المناسب أن نتطرق إلى الموضوع الذي اتخذناه أساسًا لمقالنا. كما ذكرنا أعلاه، بدأ بناء هذا المجمع عام ٢٠١٧. ويقع المشروع في منطقة مجمّع حضرة الإمام الشهير في طشقند على مساحة تبلغ ١٠ هكتارات. يبلغ طول المبنى المهيب ١٦١ مترًا وعرضه ١١٨ مترًا، ويتكون من ثلاثة طوابق. أما القبة الزرقاء في الوسط فيبلغ ارتفاعها ٦٥ مترًا. أُقيم المبنى على مساحة ١٫٨ هكتار وتبلغ المساحة التشغيلية ٤٢ ألف متر مربع. وهذه الأرقام وحدها تدل على أن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان سيكون أحد أكبر المجمعات في العالم المكرسة لدراسة ونشر تاريخ الإسلام وثقافته وحضاراته. دعوني، بصفتي شخصًا رأى هذا الصرح المهيب بعينيه وشعر بفخر واعتزاز لا يوصف، أقدّم وصفًا أكثر تفصيلًا له.
تم تصميم المجمع وفق تقاليد العمارة الشرقية والوطنية، ويمكن الدخول إليه من أربعة بوابات رئيسية من الجهات الأربع. وزُيّن كل بوابة وواجهة المبنى بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تروّج لقيم مقدسة مثل العلم والمعرفة والتسامح وبرّ الوالدين.
ويضم متحف المركز قاعة القرآن الكريم، وقاعات مخصصة لحضارات ما قبل الإسلام، وعصر النهضة الأولى، وعصر النهضة الثانية، وفترة الخانات الأوزبك، وأوزبكستان في القرن العشرين، وأوزبكستان الجديدة – نهضة جديدة. إضافة إلى ذلك، يحتوي الطابق الثاني على مكاتب لهيئات دولية، وكذلك فروع لمؤسسات مثل مؤسسة الفرقان، ومركز أكسفورد لدراسات الإسلام، وأكثر من ١٠٠ معهد علمي ومتحف ومكتبة من تركيا وروسيا ودول آسيا الوسطى.
ومن اللافت أن المركز يعتمد أيضًا نظام تخطيط البحوث العلمية استنادًا إلى الخبرات المحلية والدولية. وهنا يجب أن نذكّر بحقيقة مهمة: نحن نتحدث كثيرًا اليوم عن النهضتين العظيمتين اللتين شهدتهما أرضنا، لكننا نادرًا ما نتأمل في كيفية حدوثهما فعليًا. ويُظهر التاريخ أن تلك النهضات حدثت عبر التبادل الحضاري والاندماج في العلم العالمي.
إن إقامة تعاون بين أقسام العديد من المراكز العلمية والمؤسسات الثقافية في العالم وبين علمائنا ومثقفينا، يعني ببساطة أننا سنجلب إلى أوزبكستان أفضل العقول في العالم (تذكروا أن الخليفة المأمون وكذلك تيمور قد جمعوا في قصورهم كبار العلماء وأكرموهم)، وهذا مؤشر على آفاق عظيمة. ومن الجدير بالذكر أن في بناء هذا الصرح وتجهيز المتحف وبقية المرافق الثقافية شارك أفضل الخبراء والعلماء من عشرات الدول حول العالم. ولهذا يمكن القول إن صيت المركز قد ذاع في العالم قبل أن يُفتتح رسميًا. فقد أعربت مؤسسات عديدة عن رغبتها في المشاركة في حفل افتتاحه الكبير، مثل متحف الفن الإسلامي (ماليزيا)، مكتبة السليمانية (تركيا)، مجمع حضرت سلطان (كازاخستان)، جامعة بولونيا (إيطاليا)، مؤسسة راتّي، مجموعة ألبرتو ليفي، متحف التاريخ الوطني لأذربيجان، ومجموعات ديفيد بايلي، بروس باجانزا، وديفيد رايسبورن في الولايات المتحدة، ومتحف الإرميتاج الحكومي في روسيا، ومتحف تاريخ الأديان في سانت بطرسبرغ، ومؤسسة مرجاني وغيرها الكثير.
وأثناء متابعة أعمال تجهيز المتحف لاحظت أمرًا مهمًا أسعدني كثيرًا. ففي الماضي كنا نسمع ونقرأ بين الحين والآخر – إن لم يكن يوميًا – في شبكات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام الأجنبية الرسمية أخبارًا مؤلمة من قبيل: «سُرقت مخطوطة قديمة أو قطعة أثرية ذات قيمة تاريخية من أحد متاحف أو معاهد أوزبكستان وتم تهريبها سرًا إلى دولة بعيدة». أما اليوم فالأمر مختلف، إذ لم نعد نتحدث عن سرقات خفية، بل عن استعادة ثرواتنا الروحية التي نُهبت بطرق القرصنة والنهب ونُقلت إلى الخارج. فقد تم مؤخرًا شراء أكثر من ٥٨٠ قطعة أثرية تعود إلى التراث الثقافي الأوزبكي من دور المزادات «سوذبيز» و«كريستيز» في لندن، ومن كبار المقتنين وتجار الفن لصالح هذا المتحف. (لاحظوا أن ما يقرب من ستمائة جوهرة من تراثنا تعود إلينا، وهذا أمر غير مسبوق في تاريخنا).
ومن بين هذه المقتنيات قطعة من المخطوطة الضخمة للقرآن التي نُسخت بأمر من أمير تيمور بخط الخطاط عمر أقطا (قرآن بيسونغور)، وسكينان وسيف من عهد المغول البابريين، ومقبض خنجر ثمين، وخمس قطع مطرزة من عصر خانات أوزبك في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وثلاث منمنمات من عهدي البابريين والصفويين، وقطعتان ذهبيتان من حلي تعود إلى العصر الذهبي، ونسخة من كتاب «المثنوي المعنوي» لجلال الدين الرومي من عهد البابريين، وصفحة من كتاب «مجمع التواريخ» لحافظ أبرو الذي نُسخ في عصر التيموريين، وأوانٍ خزفية وفضية تعود إلى عصور السغديين والقراخانيين والسلاجقة...
المشهد العام لمركز الحضارة الإسلامية
قاعة المجد والشهرة في مركز الحضارة الإسلامية
قاعة القرآن الكريم
مكتبة مركز الحضارة الإسلامية
المؤرخ مطربي السمرقندي، الذي عاش في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يروي في أحد كتبه عن شخصية لامعة من سلالة الشيبانيين، آخر حكام توران، عبد الله خان، حيث ينقل اعترافه التالي: «...لقد ترك أمير علي شير، وهو خادم السلطان حسين ميرزا، خلفه ألف بناء خيري. أما نحن، ونحن ملوك، فإذا لم نبلغ عدد المباني إلى عشرة آلاف، فكيف نجرؤ أن نعتبر أنفسنا حكامًا؟.
وهذا يبين أن كل قائد عظيم في التاريخ كان يرى في البناء والعمران ضمانًا لخلوده. ولكن الذين تركوا أثرًا لا يُمحى منهم لم يكونوا كثرًا، بل كانت المبادرات التي تستند إلى العلم والفن والثقافة وتنهل من هذه الينابيع العظيمة هي وحدها الباقية. وقد ذكرنا ذلك من خلال مثال الفترتين اللتين نشأت فيهما النهضتان الأولى والثانية في تاريخنا.
إن الفكرة التي طرحها شوكت ميرضيائيف فريدة للغاية بما تحمله من قيمة عالمية وإنسانية. فعندما تتعرف على مجالات نشاط هذا المركز، تدرك أن المقصود ليس أن نصبح «عبيدًا مطيعين للتاريخ» كما في الأزمنة الماضية، بل العكس – تحويل إرث الماضي وتقاليده وربطها بالحاضر، ومواءمة التاريخ مع المستقبل لخلق غد مشرق. ومن المحتمل جدًا أن زيارات مئات العلماء البارزين من مختلف أنحاء العالم للمركز وإجراء أبحاثهم وإبداعاتهم هنا ستكون دافعًا لمعجزات كبيرة. ويمكن العثور على أمثلة كثيرة لهذا في التاريخ.
فعلى سبيل المثال، لا يعرف الجميع قصة نشوء أوبرا «عايدة» الشهيرة أو تمثال «الحرية» في الولايات المتحدة. ففي عام ١٨٦٩ كلّف حاكم مصر إسماعيل باشا المؤلف الإيطالي الشهير جوزيبي فيردي بتأليف أوبرا جديدة لافتتاح قناة السويس، وكانت النتيجة أوبرا «عايدة» التي عُرضت لأول مرة عام ١٨٧١ على مسرح القاهرة. كما طلب من النحات الفرنسي فريدريك بارتولدي نحت تمثال امرأة مصرية تحمل مشعلًا لتوضع عند مدخل القناة فوق الماء، لكن لم يتمكن من تنفيذ المشروع بسبب كلفته العالية. ولاحقًا استخدم النحات فكرته هذه في تصميم تمثال الحرية.
وبشكل عام، فإن عاصمتنا طشقند لم تكن في أي زمن بحاجة إلى مديح. فهذا المدينة الضاربة في عمق التاريخ كتب عنها أجدادنا العظام مثل أبو الريحان البيروني، والخوارزمي، ومحمود الكاشغري، وحتى العالم اليوناني كلوديوس بطليموس (القرن الثاني الميلادي) الذي ذكرها في كتابه «الدليل في الجغرافيا». وعبر العصور كانت كلمة «طشقند» تستحضر في أذهان الجميع «المدينة القديمة». ولكن، ماذا حدث في هذا المكان الذي كان لقرون مدار الثقافة في شاش خلال المئة سنة الأخيرة؟ إذا فتشنا التاريخ لوجدنا أن ما أُهدي إلى هذه المنطقة في الثمانينيات من القرن الماضي كان سوق «تشورسو» كنموذج للحداثة السوفييتية، وفي سنوات الاستقلال شُيد مجمع «حضرة إمام»، ولاحقًا بُني «بيت زرقاينار للأزياء» في مكان متصل به. ومع ذلك، فإن هذا المكان ظل دائمًا المدار الثقافي لشاش القديمة...
اليوم، خصص بعض الوقت واذهب إلى "المدينة القديمة" وشاهد المعجزة. وإن لم تشعر وكأنك دخلت إلى عمق التاريخ، وإن لم يتحاور خيالك مع الماضي البعيد، فأنا أضمن لك ذلك. وخاصة أن شارع "قاراساروي" الذي يتجه إليه المدخل الرئيسي للمركز سيأسر قلبك تمامًا. إنجاز تغييرات بهذا الحجم في فترة زمنية قصيرة... بصراحة، يعجز العقل عن تصديقها. فقد كنتُ في وقت من الأوقات أول مسؤول في عدد من مناطق العاصمة. في تلك الأيام، كان تشغيل شبكة صرف صحي واحدة يستغرق سنوات، وكنا نمضي شهورًا بحثًا عن جرافة لإجراء الإصلاحات. أما هذه الأعمال اليوم فتبدو وكأنها حلم أو حكاية خيالية...
وأنا على يقين أن مركز الحضارة الإسلامية لن يحيي فقط الروح التاريخية للمدينة القديمة، بل سيجعل طشقند، شأنها شأن سمرقند وبخارى، ضمن المدار الثقافي لمنطقتنا.
يقول أحد الكتّاب الروس مقولته الشهيرة: «إذا عُلّق مسدس على الجدار في المشهد الأول، فلا بد أن يُطلق في النهاية!». ورغم أن المقولة قيلت عن فن المسرح، إلا أنها من الناحية المنطقية تنطبق على وضعنا الحالي أيضًا. ولو لم أتحدث الآن عن سبب اختياري مثل هذا العنوان الجريء للمقال، وعن كيفية نشوء هذا الشعور في قلبي، لفقد النص منطقه الداخلي. فلنقل إذن ما عندنا.
عندما تعرفت على هذا التاريخ الذي انفتح أمام أعيننا – مركز الحضارة الإسلامية – مرّ في خاطري حزنان اثنان. أولاً، أن لدينا تاريخًا عظيمًا كهذا ومع ذلك لم نتمكن من عرضه للعالم. وثانيًا، أن تراثنا الثقافي المدهش الذي يسحر البشرية متناثر في أنحاء العالم، ولم نفكر بجمعه في مكان واحد وعرضه على أنه من صنع وإبداع واختراع أجدادنا.
مع أن أنفاسنا تحررت بعض الشيء من بعد ظلم الحقبة السوفييتية، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم تعاقب على حكم هذا البلد عدد من القادة – فلماذا لم نشرع في هذه الأعمال حتى في سنوات الاستقلال؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ هل لم يكن لدينا مال؟! فلم تمطر علينا السماء ثروات اليوم فجأة! فبقي قطننا وذهبنا وغازنا كما كان... فلماذا لم نفعل ذلك من قبل؟ ممّن أو مما كنا نخاف؟
من الطبيعي أن تثير مثل هذه الأفكار في الإنسان شعورًا بالذنب أمام التاريخ وأمام الأرواح الطاهرة للأجداد. كما أن ضياع الوقت، واللامبالاة، والنظرة المتهاونة إلى تاريخنا وثقافتنا العظيمة تشعل في القلب – كما قلت سابقًا – ألمًا عميقًا...
لكن هذا العالم العتيق مليء بالحكم. فقد يمحو حادث غير متوقع فجأة همّ القلب وغصته، ويضيء ليس قلبك فقط بل العالم كله. ومن هذا المنطلق، فإننا إذا استقبلنا اليوم حب شوكت ميرضيائيف اللامحدود للأمة والوطن، وإخلاصه لواجب البنوة أمام شعبه، كهدية من القدر لمحو أخطاء الأمس وأحزان الشعب، فإننا نكون منصفين بلا شك.
قدرت الله رفيقوف
عالم سياسة


















