المعجزة التي لم يتمكن جنكيز خان من تدميرها: حقائق عن المعروض في المشروع العملاق في أوزبكستان

الدكتور عبد المنّان زياييف، أستاذ العمارة في أوزبكستان، وصف المعْلَم المعماري التاريخي الذي يُعرض ضمن معروضات مركز الحضارة الإسلامية بأنه «نموذج لعمارة عصر النهضة الأولى التي عبرت القرون».
يرتفع منارة كلان في قلب بخارى التاريخية كأعجوبة من أعاجيب العمارة الإسلامية التي صمدت عبر العصور. لقد أصبحت بهيبتها وزخارفها الدقيقة رمزاً للمدينة على مدى قرون. بُنيت هذه المنارة في القرن الثاني عشر، وهي ليست فخراً لبخارى فحسب، بل تُعد من أبرز معالم الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى كلها.
من بين أكثر من ٨٠ نموذجاً تاريخياً يجري إعدادها حالياً في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، يحتل نموذج منارة كَلان مكانة خاصة. أُعيد بناؤه اعتماداً على المعطيات الأثرية والمقاييس الهندسية الدقيقة باستخدام التقنيات الحديثة، ومن المنتظر أن يصبح هذا النموذج المحور الرئيس في قسم «النهضة الأولى» من المعرض.
يقول الأستاذ الدكتور زياييف:
«إن منارة كَلان بُنيت في عهد السلالة القراخانية سنة ١١٢٧م بأمر من السلطان محمد أرسلان خان، وهي معلم معماري فريد حافظ على شكله الأصلي تقريباً حتى يومنا هذا».
ويضيف: «المنارة ليست مجرد بناء معماري، بل هي جزء من الذاكرة الروحية لشعبنا. فهي لم تُشيَّد للأذان فقط، بل كانت مركزاً معنوياً للمدينة وتجسيداً لروح البناء والإبداع».
لماذا «كلان»؟
كلمة «كلان» في العربية تعني «العظيم» أو «الكبير». وقد سُمّيت المنارة بهذا الاسم لأنها كانت أعلى مبنى في بخارى عند بنائها في القرن الثاني عشر، بحيث يُسمع صوت الأذان في أرجاء المدينة كلها. ثم أصبحت لاحقاً منارةً دينية ومنارةَ ضوءٍ تهدي القوافل القادمة من بعيد.
تشير المصادر التاريخية إلى أنه عندما دخل جنكيز خان بخارى في القرن الثالث عشر، دُمّرت معظم المباني، لكن منارة كَلان بقيت قائمة، ولهذا سُمّيت «المعجزة التي نجت عبر القرون».
في القرن العشرين، خضعت المنارة لعدة عمليات ترميم: دُعِّم أساسها عامَي ١٩٢٤ و١٩٦٠، وأُعيد ترميمها بالكامل عام ١٩٩٧ بمناسبة الذكرى ٢٥٠٠ لتأسيس بخارى.
يبلغ ارتفاع المنارة نحو ٤٦ متراً، وقطر قاعدتها بين ٩ و٩٫٧ أمتار. بُنيت من الطوب المحروق على شكل أسطوانة تضيق تدريجياً نحو الأعلى، وتُزيّن جدرانها نقوش هندسية بآجرّات منسقة بدقة وكأنها خُطّت بريشة خطاط. يعلوها تاج مزخرف بمقرنصات وقبة مثمنة النوافذ تضيف إليها توازناً جمالياً وهندسياً فريداً.
يؤكد زياييف: «منارة كَلان هي عمل فني يجمع بين تقنيات البناء وجماليات العمارة الإسلامية».
اليوم أصبحت منارة كَلان رمزاً ليس لبخارى فحسب، بل للتراث الثقافي الأوزبكي بأسره، ويُعرض نموذجها في مركز الحضارة الإسلامية كأحد أروع الشواهد المعمارية لعصر النهضة الأولى.
ويختم زياييف قائلاً: «منارة كَلان هي رمزٌ لروح الشعب، فمن ينظر إليها يشعر بنَفَس بخارى، ويستشعر نور العلم والروحانية الذي أضاء حضارتنا الإسلامية».










