البدايات الأولى للصورة العلمية عن كوكب الأرض

🔴 من دون هذه الخرائط ما كانت لتوجد الجغرافيا الحديثة!
🔴 في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمكن التعرف على الاكتشافات الجغرافية الكبرى لمأمون وقاشغري والإدريسي.
يُعدّ عصر النهضة الإسلامية أحد المراحل المفصلية في تاريخ الحضارة العالمية التي نقلت العلوم إلى مستوى جديد من التطور. ففي تلك الحقبة ازدهرت علوم الجغرافيا والفلك والقياس والمساحة والرياضيات، وتطورت المفاهيم العلمية عن الكون والأرض على أسسٍ دقيقة. وقد فتحت الخرائط العلمية التي أنشأها العلماء المسلمون صفحةً جديدة في تاريخ علم الخرائط العالمي، وشكّلت الأساس الذي قامت عليه المعرفة الجغرافية الحديثة. ومن أبرز هذه الكنوز العلمية: خريطة مأمون للعالم، وخريطة توزيع القبائل التركية لمحمود قاشغري، وخريطة الإدريسي التي عرضت المناطق الغربية من العالم. وهذه الخرائط الثلاث تُعرض اليوم في قسم النهضة الأولى بمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
خريطة مأمون للعالم (القرن التاسع)
بأمرٍ من الخليفة العباسي المأمون، أُسِّس في بغداد بيت الحكمة الذي أصبح مركزاً علمياً رائداً في العالم الإسلامي. وفي هذا المحيط العلمي، وتحت إشراف محمد بن موسى الخوارزمي، شارك أكثر من سبعين عالماً في إعداد أول خريطة علمية في التاريخ البشري – خريطة مأمون للعالم.
كانت الخريطة مبنية على دراساتٍ فلكيةٍ وجيوديزية دقيقة، أُعيد فيها قياس درجةٍ واحدة من خط الطول الأرضي، وحددت الإحداثيات الدقيقة للمدن والمناطق. وقد صُوّر فيها المحيط الهندي كبحرٍ مفتوح، ورُسم العالم على هيئة جزيرة واحدة، وجُعل الجنوب في الأعلى وفق تقاليد ذلك العصر. ويُعدّ كتاب الخوارزمي صورة الأرض الأساس العلمي لهذه الخريطة، إذ رسّخ في علم الخرائط مفاهيم الإحداثيات، والتقسيم المناخي، والقياسات الجيوديزية الدقيقة.
خريطة محمود قاشغري للقبائل التركية
في القرن الحادي عشر ألّف محمود قاشغري كتابه الشهير ديوان لغات الترك، الذي لم يكن معجماً لغوياً فحسب، بل موسوعةً تجمع البعد اللغوي مع البعد الإثني والثقافي والجغرافي للعالم التركي. وقد رسم فيه خريطة توضّح أماكن توزّع القبائل التركية في مختلف مناطق العالم آنذاك، عاكسةً الجغرافيا السياسية والثقافية لذلك العصر.
تُظهر الخريطة عدداً من القبائل؛ فالأوغوز عاشوا بين جبال ألتاي والمناطق الغربية وأسّسوا لاحقاً الدولة السلجوقية. والقبجاق سيطروا على السهوب الممتدة من كازاخستان إلى بحر قزوين واشتهروا بفروسيتهم. أما الخزر فكانوا حول بحر قزوين، قوماً أقوياء نصف رحّل. واليوغور انتشروا من ألتاي حتى منغوليا والصين. والقرلوق سكنوا بين الأوغوز واليوغور وكان لهم دور مهم في بدايات الدولة الغزنوية.
خريطة العالم للإدريسي
في القرن الثاني عشر، عاش العالم الجغرافي محمد الإدريسي في بلاط ملك صقلية روجر الثاني، حيث أنجز إحدى أعظم خرائط العالم في التاريخ. ففي عام ١١٥٤م أعدّ خريطة العالم محفورة على لوحٍ من الفضة الرقيقة، وكتاباً مرافقاً لها عُرف باسم كتاب روجر. شملت الخريطة أوروبا وأفريقيا وآسيا، وقدمت أول تصنيفٍ عالميٍّ متكامل للمناطق.
قسّم الإدريسي العالم إلى سبعين إقليماً، وأدرج في الخريطة نحو ٢٥٠٠ موضع، وذكر في نص الكتاب أكثر من ٦٠٠٠ موقع جغرافي. وقد أسّس نظاماً شبكياً للإحداثيات وحدد القارات والبحار بدقة، مما أثّر تأثيراً بالغاً في تطور علوم الجغرافيا والملاحة في أوروبا خلال القرون اللاحقة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن كولومبوس وفاسكو دا غاما اعتمدا على معلومات الإدريسي في رحلاتهما الاستكشافية.
إن هذه الخرائط التي أبدعها علماء الحضارة الإسلامية تركت بصمةً خالدة في مسيرة العلم الإنساني، إذ كانت أول من قدّم تصوراً علمياً متكاملاً للعالم قائم على الإحداثيات والتصنيف الجغرافي والقياسات الفلكية والبيانات الإثنوغرافية في منظومة واحدة.
واليوم تُعدّ تقنيات رسم الخرائط العالمية والملاحة بالأقمار الصناعية امتداداً لذلك الإرث العلمي العظيم. إن شجاعة العلماء المسلمين في البحث والاكتشاف كانت ولا تزال من أبرز علامات تقدم الحضارة الإنسانية.
دوردونا رسولوفا
ملاحظة: يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز.







