أعمدة دولتنا الروحية
تقع «أعمدة الدولة» في قسم «أوزبكستان الجديدة – أساس النهضة الجديدة» بمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. وتُعد هذه المنظومة الفنية الفلسفية الفريدة تركيبًا رمزيًا يُجسّد تطور فكرة الدولة وثقافة الحكم والفكر السياسي عبر التاريخ الأوزبكي. ويمثل كل عمود مرحلة تاريخية محددة، تُعرض من خلالها عملية تطور الدولة من الحضارات القديمة حتى أوزبكستان الحديثة المستقلة، في تسلسل زمني مترابط وواضح.
العمود الأول
يمثل العمود الأول أقدم الطبقات الروحية في تاريخ أوزبكستان، وهي فترة الزرادشتية وتعاليم «الأفِستا». ويُجسّد هذا العصر من خلال النقوش المنحوتة على الحجر، وصورة تمثال بوذا، ونسخة من «الأفِستا» موضوعة داخل واجهة زجاجية مضيئة.
كانت الزرادشتية تدعو الإنسان إلى الكمال من خلال الفكر الطيب، والكلمة الطيبة، والعمل الطيب. ولهذا يُعتبر هذا العمود أساسًا روحيًا لفكرة الدولة، ويعبّر برموز النور والنقاء عن مبدأ الخير. أما الحكمة الشهيرة المقتبسة من «الأفِستا»: «الفكر الطيب، الكلمة الطيبة، العمل الطيب» فهي المفتاح الفكري الذي تنطلق منه الفكرة الكاملة لهذا التكوين الفني.
العمود الثاني
يمثل العمود الثاني المرحلة التي تشكّلت فيها الدولة عند الشعوب التركية، ويضم في رمزيته حضارات سُغد وباختريا وخوارزم وتشاتش وفرغانة القديمة. وفي قاعدته واجهة زجاجية تحتوي على نسخة من نقش تونيوقوق، الذي يُجسد تطور الثقافة الكتابية والفكر السياسي.
وقد نُقشت على سطح العمود كلمات بيلغا خاقان:
«يا شعبي التركي، إن عدت إلى ذاتك فسوف ترتقي من جديد.»
وقد أصبحت هذه الحكمة رمزًا للهوية الوطنية والوحدة. وصُمّم العمود بروح النقوش الحجرية القديمة، ليذكّر بخلود الذاكرة واللغة والكتابة.
العمود الثالث
يجسّد العمود الثالث مرحلة تلاحم الحكم بالعلم والثقافة، وهي فترة ظهور دول السامانيين والقراخانيين والخوارزميين، التي ازدهرت فيها أفكار الحكم العادل والسياسة الراشدة.
وعليه كُتب اقتباس من كتاب يوسف خاص حاجب «قوتادغو بيليك»:
«من رفعه الملك سعد باختياره، فعليه أن يختار السياسة الصالحة.»
وتعبّر هذه العبارة عن أن الاستقامة والعدالة هما أساس استقرار الدولة. ومن خلال التطبيق التفاعلي في هذا العمود، يمكن للزائر التعرف على نظم الحكم والبنية الاجتماعية والقيم السياسية في الدول التركية والفارسية القديمة.
العمود الرابع
يمثل العمود الرابع دولة الأمير تيمور وفترة العصور الوسطى، ويتناول نماذج الحكم والدبلوماسية والثقافة الرفيعة التي ظهرت في عصور الخوارزميين، والقراخانيين، والتيموريين، والشيبانيين، والبابرية.
وفي أعلاه واجهة زجاجية مخصصة لـ«قوانين تيمور»، بينما يمكن للزوار عبر الشاشة التفاعلية السفلية الاطلاع على النظام السياسي ومبدأ العدالة ونمط الحكم في عهد الأمير تيمور.
الأمير تيمور: «القوة في العدالة.»
وهذه العبارة تشكل جوهر مضمون العمود، إذ تجسّد مبدأ الحكم العادل وسيادة القانون، لتصبح رمزًا أساسيًا للدولة الأوزبكية في مسيرتها التاريخية.
العمود الخامس
أما العمود الأخير، فيمثل الدولة الأوزبكية الحديثة. واستُلهم تصميمه من مبنى «بانوراما» (١٩٦٤) و«كونغرس هول» (٢٠١٩) في طشقند. وتعبر الشبكات المعدنية الشفافة والألواح الذهبية والبيضاء عن الانفتاح والتجدد والقيم الديمقراطية.
وفي داخله نسخة من دستور جمهورية أوزبكستان المحدّث، الذي يرمز إلى سيادة القانون وبناء الدولة على إرادة الشعب ونظام الحكم القائم على المبادئ القانونية.
وعلى العمود اقتباس من الدستور:
«أوزبكستان دولة ذات سيادة، ديمقراطية، قانونية، اجتماعية، وعلمانية، تتمتع بشكل جمهوري من الحكم.»
ويُعتبر هذا العمود الرمز الأسمى لعصر الاستقلال، إذ يجسد مرحلة جديدة من الدولة تقوم على إرادة الشعب وحقوق الإنسان وسيادة العدالة.
تمثل منظومة «أعمدة الدولة» سلسلة مترابطة تعبّر عن تطور تاريخ أوزبكستان من القيم الروحية إلى المبادئ الديمقراطية الحديثة. ومن خلال هذه التركيبة، يشعر الزائر بمسار تفكير شعبه السياسي، وسعيه نحو العدالة والسمو الروحي. وهكذا تحتل «أعمدة الدولة» مكانتها بوصفها رمزًا روحيًا لاستقرار الدولة.
وقال الأمين العلمي للمركز رستم جباروف:
«كل عمود يجسّد عمارة عصره وبيئته الثقافية وحضارته واكتشافاته. وداخل كل عمود تُعرض المصادر السياسية والاجتماعية والثقافية الأساسية المرتبطة بالمراحل الخمس الرئيسة لتاريخ الدولة الأوزبكية، على شكل مخطوطات ونسخ فاكسيميلية أو نماذج مجسمة. وتُظهر هذه المعروضات المسار التاريخي المتصل للدولة الأوزبكية، من المصادر المكتوبة القديمة إلى المبادئ الدستورية الحديثة، في عرض حيّ متكامل.»
شاهنوزا رحمونوفا
ملاحظة: يمكن نشر هذه المقالة في الموقع الرسمي للمركز مع الإشارة إلى المصدر.







