.يورونيوز: مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يعيد تفسير مكانة آسيا الوسطى في تاريخ العالم
أقرت شبكة يورونيوز بأن أوزبكستان لم تعد مجرد مفترق طرق تجارية، بل باتت تظهر بوصفها إحدى الركائز الأساسية للمعرفة العالمية.
عندما أعلن رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف في عام ٢٠١٧ من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عن إنشاء مركز الحضارة الإسلامية في البلاد، كان الهدف واضحا: ألا يكون هذا الصرح مجرد متحف وطني عادي، بل مؤسسة ثقافية ذات بعد عالمي.
وكما أكد الرئيس، كان على المركز أن يعرض إسهام أوزبكستان في تطور العلم والثقافة والمعرفة، ليس للعالم الإسلامي فحسب، بل للإنسانية جمعاء. وبعد مرور ثماني سنوات، تجسدت هذه الفكرة بوضوح في طشقند.
وفي عام ٢٠٢٥ خرج المركز إلى الساحة الدولية، ليتحول من مجرد منشأة ثقافية إلى مبادرة شاملة تهدف إلى إعادة تشكيل التصورات العالمية عن أوزبكستان.
بالنسبة للجمهور الأوروبي، غالبا ما تُختزل صورة أوزبكستان في إطارين تاريخيين أساسيين: طريق الحرير والحقبة السوفيتية. وهاتان المرحلتان مهمتان بلا شك، إلا أنهما لا تكشفان بالكامل عن بعد آخر بالغ الأهمية في تاريخ آسيا الوسطى، وهو كونها أحد المراكز الرئيسية للتطور الفكري العالمي في العصور الوسطى.
ففي القرون من التاسع إلى الثاني عشر، أسهم العلماء الذين عاشوا وأبدعوا في أراضي أوزبكستان الحالية في إرساء أسس العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في مجالات الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والأدب. فعلى سبيل المثال، دُرست مؤلفات ابن سينا، ولا سيما كتابه القانون في الطب، لقرون طويلة في الجامعات الأوروبية، كما لعب عليشير نوايي دورا حاسما في تشكيل الثقافة الأدبية التركية.
ولم يكن هؤلاء أعلاما هامشيين، بل كانوا شخصيات مركزية ضمنت تبادل المعرفة بين الشرق والغرب.
ومن خلال إبراز تراث هؤلاء العلماء، يظهر المركز أن أراضي أوزبكستان كانت مفترق طرق للمعرفة، انتشر منها العلم من إسبانيا حتى الهند.
ليس فضاء للذاكرة بل ساحة للحوار
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠٢٥، وصف الرئيس ميرضيائيف مركز الحضارة الإسلامية بأنه ساحة عالمية جديدة للحوار بين الحضارات.
ويعرض المركز التراث الإسلامي لا بوصفه ماضيا جامدا، بل حضارة إنسانية وعلمية ومنفتحة. ويتناغم هذا النهج مع توجه متصاعد في أوروبا ومناطق أخرى لفهم الكيفية التي أثرت بها التفاعلات بين الثقافات المختلفة في تطور الفكر والعلم الحديثين.
التعاون الدولي في عام ٢٠٢٥
على مدار عام ٢٠٢٥، أقام المركز علاقات نشطة مع مؤسسات ثقافية وعلمية كبرى في الخارج.
ففي ماليزيا، أبرم المركز شراكة ثقافية أتاح له من خلالها الوصول إلى مجموعة تضم نحو ١٠٠ ألف كتاب نادر، كما نظم في متحف الفن الإسلامي في كوالالمبور ندوة مشتركة مكرسة للعلاقات التاريخية بين جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى.
وفي المملكة المتحدة، درس خبراء المركز بالتعاون مع مكتبة بودليان التابعة لجامعة أكسفورد مخطوطات نادرة، من بينها مؤلفات عليشير نوايي، وتم التوصل إلى اتفاق لحفظ نسخ منها في مكتبة المركز. أما في مدينة بولونيا الإيطالية، فقد جرى التعرف على أقدم نسخ كتاب القانون في الطب لابن سينا، إضافة إلى نحو ٢٠٠ مخطوطة باللغة التركية.
وتظهر هذه الاكتشافات بوضوح أن التراث العلمي لآسيا الوسطى امتد جغرافيا إلى ما هو أبعد بكثير من حدوده الإقليمية، من شبه الجزيرة الإيبيرية حتى جنوب آسيا.
سرد التاريخ القديم بلغة معاصرة
يجمع المركز بين المقاربة العلمية التقليدية وتقنيات العرض الحديثة. فمن خلال التركيبات التفاعلية، والمعارض متعددة الوسائط، وأكثر من ٣٠٠ فيلم قصير، تقدم الأفكار التاريخية المعقدة للجمهور الواسع بصورة مفهومة.
ومن أبرز المشاريع سلسلة «صدى المعرفة» Whispers of Wisdom، التي قام بأداء صوتها الممثل الحائز على جائزة أوسكار بن كينغسلي. وتعرف هذه البورتريهات السينمائية الجمهور العالمي بالمفكرين العظام المرتبطين بأوزبكستان.
تنامي الاعتراف الدولي
بحلول نهاية عام ٢٠٢٥، شاركت منظمات مثل ICESCO وTURKSOY ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية بشكل مباشر في أنشطة المركز.
وزار أكثر من ١٠٠ خبير دولي المجمع في طشقند، كما خصصت داخل المركز مكاتب مستقلة للشركاء الدوليين على المدى الطويل.
وخلال العام، عقد حدثان بارزان: المنتدى الدولي «تراث الماضي العظيم أساس لمستقبل مستنير» بمشاركة ممثلين عن أكثر من ٢٠ دولة، والمؤتمر الإقليمي المكرس للتراث الروحي المشترك لآسيا الوسطى، والذي شهد زيارة قادة خمس دول.
إعادة التراث إلى منابعه
بفضل مبادرة الرئيس ودعمه، تمكن المركز في عام ٢٠٢٥ من إعادة أكثر من ١٠٠٠ قطعة أثرية نادرة إلى أوزبكستان، من بينها مخطوطات، وأدوات علمية، وقطع فخارية، وأجزاء من المصحف الشريف.
وتحمل بعض هذه القطع دلالة رمزية خاصة، من بينها أجزاء مرتبطة بالكعبة المشرفة في مكة المكرمة، مثل قطعة من الكسوة وشذرات تتعلق بمفاتيحها، والتي قدمت نتيجة لمفاوضات مع المملكة العربية السعودية.
كما يذكر تمثال صغير لغزال من البرونز، عُثر عليه في المملكة المتحدة، بأن فن آسيا الوسطى كان له تأثير واسع في أقاليم بعيدة منذ العصور القديمة.
قلب المركز
في القلب المعماري والرمزي للمجمع يوجد مصحف عثمان العائد إلى القرن السابع، والمسجل ضمن قائمة ذاكرة العالم لليونسكو. ويحفظ تحت قبة بارتفاع ٦٥ مترا، وتعرض حوله ١١٤ نسخة نادرة من القرآن الكريم تعكس تطور فن الخط الإسلامي.
ويحتضن المبنى كذلك إدارة مسلمي أوزبكستان، مما يعزز مكانته بوصفه مركزا ثقافيا ودينيا في آن واحد.
التجربة العالمية والهوية الوطنية
شارك في إنشاء معارض المركز أكثر من ١٥٠٠ مهندس ومؤرخ وحرفي ومرمم وخبير تقني من أوزبكستان وخارجها. ويجمع المشروع بين الزخارف الوطنية ومفهوم الفضاء المفتوح المعاصر، ليقود الزائرين من عصور ما قبل الإسلام، مرورا بالنهضتين الأولى والثانية، وصولا إلى فكرة «النهضة الثالثة» المعاصرة.
رؤية تاريخية جديدة
تكمن أهمية مركز الحضارة الإسلامية بالنسبة للجمهور الأوروبي ليس في مظهره الخارجي فحسب، بل في الرواية التي يقدمها. فهو يبين أن تطور العلم لم يكن مسارا أحاديا من الغرب إلى الشرق، بل نتاج تبادل متواصل ومتعدد الاتجاهات.
وإذا كان عام ٢٠٢٥ هو عام انطلاق المركز إلى الساحة الدولية، فإن عام ٢٠٢٦ سيكون مرحلة انفتاحه الكامل أمام الجمهور الواسع. وبهذا سيتغير النظر إلى أوزبكستان، إذ ستبرز لا كمجرد مفترق طرق تجارية، بل كإحدى الركائز الأساسية للمعرفة العالمية.







