!وصلت إلى طشقند كاليغراما على هيئة نمر جُلبت من بريطانيا العظمى

في كاليغراما نادرة تعود إلى أواخر القرن ١٧، تنبض الحروف بالحياة وتتحول إلى رمز نمر قوي. واليوم يُعرض هذا العمل الفريد في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، ليُجسّد بوضوح كيف اتحد النص والصورة والرمز في نظام جمالي واحد داخل فن الخط الإسلامي.
الكاليغراما من أكثر اتجاهات فن الكتابة تعقيدا ودقة، إذ لا تقتصر الحروف فيها على كونها علامات حاملة للمعنى فحسب، بل تظهر بوصفها صورا بصرية مستقلة. وقد ألغى هذا الأسلوب في تقاليد الخط الشرقي الحدود بين الكتابة والتصوير، رافعا النص إلى شكل فني ذي دلالة جمالية ورمزية.
في الكاليغراما يُحسب مسبقا اتجاه كل سطر، وانحناء الحروف، وكثافتها، وتوازن الفراغات. لذلك فإن مثل هذه الأعمال لا تُقرأ فقط، بل تُرى بالمعنى الحرفي للكلمة.
كاليغراما. على أسلوب مير علي الهروي. هرات، القرن ١٧. ورق مذهّب، ٣٨ × ٢٦٫٤ سم
تشكلت أرقى نماذج هذا الفن في مدرسة الخط الشرقي المرتبطة باسم مير علي الهروي. وقد عمل هذا الخطاط العظيم في بيئة هرات خلال القرنين ١٥–١٦، فوضع خط النستعليق في معايير متقنة، وارتقى بالكتابة إلى مستوى فن مستقل. ولهذا وُصفت العديد من الكاليغرامات التي أُنجزت في القرون اللاحقة بأنها على أسلوب مير علي الهروي، وهو توصيف لا يدل على مؤلف بعينه بقدر ما يعبر عن الانتماء إلى تقليد فني رفيع.
وتُعرض اليوم كاليغراما تعود إلى أواخر القرن ١٧، بوصفها نموذجا بارزا لهذا التقليد، في قسم عصر النهضة الثانية ضمن المعرض المفتوح لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. وينتمي العمل إلى العصر الصفوي، وقد سُجل علميا أنه أُنجز في بيئة بخارى أو هرات. وفي تلك الفترة لم يقتصر فن الخط على تزيين الكتب، بل كان تعبيرا مهما عن ثقافة البلاط والذوق الجمالي الرفيع.
وتجسد الكاليغراما المعروضة صورة نمر متقدم إلى الأمام، تكوّن جسده بالكامل من حروف وكلمات مكتوبة بالخط العربي. فالعمل ليس صورة عادية، بل حل فني معقد قائم على انسجام النص والصورة. وقد شُكّلت هيئة النمر، من الجسد إلى الأرجل والذيل، عبر كتابات منحنية وممتدة، فيما يوحي التوزيع الإيقاعي للحروف بحركة الحيوان وقوته الداخلية. أما الرأس فقد نُفذت فيه الكتابة بكثافة أكبر، مما يعزز التركيز المركزي والهيبة.
وغالبا ما تتضمن مثل هذه الأعمال من الكاليغرامات أسماء الله، أو أدعية، أو عبارات ذات دلالات القوة والحماية. ويتناغم مضمون النص مع رمز النمر ليولد معنى رمزيا متكاملا. ففي الفن الإسلامي، ولا سيما في فنون العصر المغولي، عُدّ النمر رمزا للقوة والشجاعة والسلطة والقدرة العسكرية. أما الزخارف النباتية والزهور المحيطة بالصورة فتعبر عن مفاهيم البركة والحياة والنظام.
نُفذ العمل على ورق مذهّب باستخدام ألوان متعددة وماء الذهب، مما يدل على أن الكاليغراما أُنجزت بطلب رفيع المستوى. وقد أُحيط المعرض بإطارات باللونين الأحمر والأخضر، بينما امتلأ الحيز الداخلي بزخارف نباتية وأرابيسكات مذهبة دقيقة. وتعمل هذه الزخارف على تعزيز إيقاع الخط وتوحيد العمل بأكمله في نظام بصري واحد.
وبحسب تأكيد السكرتير العلمي للمركز رستم جابباروف، يوجد على ظهر العمل نص خطي قطري من ١٢ سطرا، مكتوب بحبر أسود بخط النستعليق، وموضوع بين أشكال سحابية.
وقال:
إن مثل هذا الحل نادر في فنون الكتابة في القرن ١٧ ويتطلب مهارة عالية. كما أن أثر الختم الأسود في الجزء العلوي والإطار المزدوج المحيط بالعمل يشيران إلى أنه كان متداولا في سياق رسمي، وربما أُنجز بطلب من البلاط أو لجهة رفيعة المقام.
ولا تقتصر فرادة هذه الكاليغراما على مستواها الفني فحسب، إذ جرى التعرف على العمل وفحصه عبر أرقى المزادات العالمية في بريطانيا العظمى، مثل Sotheby’s وChristie’s، قبل نقله إلى معرض المركز. ويؤكد ذلك مكانته الرفيعة في سوق الفن العالمي وقيمته التاريخية المؤكدة.
ويعد عرض هذه الكاليغراما اليوم أمام الجمهور الواسع حدثا ثقافيا مهما، كما يمثل العمل وثيقة تاريخية ثمينة تتيح دراسة فن الكتابة، والتفكير الجمالي، والمعايير الفنية في أواخر القرن ١٧ من خلال مصدر مباشر.
ليلى عبد القهّاروفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز




