المعرض الذي يضم لباس بيبي خانم: ما الأسرار الكامنة فيه؟

ثوب تحمله ١٥ جارية. غطاء رأس مزين بالأحجار الكريمة. اللون الأحمر المعبر عن قوة الدولة. هذا هو ثوب القصر للملكة التيمورية بيبي خانم (سراي ملك خانم). واليوم أُعيد إحياء هذه الصورة التاريخية في معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، كاشفا عن المعاني الخفية لثقافة القصور في العصور الوسطى.
كانت سراي ملك خانم تتمتع بمكانة رفيعة للغاية في دولة تيمور. وكل عنصر في لباسها، من اختيار القماش إلى موضع الزخارف، كان يعبر عن النفوذ العملي والروحي للمرأة. وتميز ثوب بيبي خانم ببنيته متعددة الطبقات، حيث جسدت كل طبقة معنى ووظيفة خاصة. فأولا، القميص المخيط من الحرير الأبيض كان رمزا للطهارة ونقاء النسب، وباعتباره أقرب طبقة إلى الجسد أدى وظيفة الحماية الروحية. وفوقه كان يُلبس قميص ملون طويل يسمى بيروهان، يدل على مكانة سيدة القصر، وكانت زخارفه النباتية تُفهم كرمز للحياة والبركة ومرتبة النضج.
أما الجزء الأبرز في ثوب بيبي خانم فهو الرداء الخارجي المخيط من قماش الزربفت، حيث لم تكن زخارفه مجرد تزيين جمالي، بل حملت في ثقافة العصور الوسطى معاني الحماية والقوة واستمرارية السلالة. كما عبرت الأوشحة الحريرية والملحقات الملقاة على الكتفين في آن واحد عن الرقة والاحتفال والمقام الرفيع.
ويستحق غطاء رأسها اهتماما خاصا. فقد زُين غطاء الرأس العالي الأسطواني لبيبي خانم باللؤلؤ والياقوت والفيروز، وكان يعد الرمز الأوضح لمقام الخانم الكبرى في الدولة التيمورية. ولم يكن يحق ارتداء مثل هذا الغطاء إلا للنساء ذوات النفوذ السياسي من أعلى ممثلات النسب الجنكيزي. كما زادت الأوشحة الحريرية الملفوفة حوله وطبقات القماش الناعمة المنسدلة من الخلف من أناقته.
وقد عملت الدكتورة في العلوم التقنية، وممثلة عالم الموضة الدولي، الأستاذة خالدة كميلوفا، على إعداد أزياء أمير تيمور وبيبي خانم لمعرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
وأشارت إلى اعتمادها على المنمنمات والرسوم اللاحقة، وكذلك على المصادر التي دونها الرحالة الإسباني روي غونزاليس دي كلافِيخو، قائلة:
لقد أنجزنا الأزياء الملكية لأمير تيمور وبيبي خانم لمعرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، مستندين إلى مصادر علمية دقيقة. وكان علينا معرفة دلالات الزخارف في عباءة أمير تيمور وحزامه وملابسه. وبناء على ذلك عملنا على هذه الأزياء بالتعاون مع مؤرخي الفن والعلماء. ووفقا لما كتبه كلافِيخو، كان في غطاء رأس بيبي خانم أحجار كريمة وملونة، وبسبب ثقل لباسها كانت ١٥ فتاة يساعدنها في السير. وحتى بعد افتتاح المركز سنواصل عرض العديد من أزياء الأميرات التيموريات المشابهة بصورة دائمة. إن حضارتنا حضارة رفيعة، ويسعدنا أن يؤدي مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان دور المنبر لإبرازها أمام الجمهور الواسع والمجتمع الدولي.
كما أن أقمشة ثوب بيبي خانم أعدت من منسوجات نادرة خاصة بالطبقة العليا. فقد اختير الحرير والمخمل والكَمْخَا موادا أساسية. والكَمْخَا قماش فاخر منسوج بخيوط الذهب، كان في العصور الوسطى مخصصا للحكام وأفراد القصر فقط. وتشهد هذه الأقمشة مجتمعة على المستوى الرفيع لتطور الاقتصاد والصناعة والحرف في تلك الحقبة.
وكانت الأحجار والحلي في الثوب ذات دلالات روحية ورمزية كبيرة. فاللؤلؤ رمز للطهارة والنسب الرفيع، والياقوت رمز للقوة والثبات، والفيروز رمز للحماية من العين. وقد جذبت الحلية المرصعة باللؤلؤ على صدر بيبي خانم، والياقوت على جبهتها، والفيروز على كتفها الأنظار، مشيرة إلى مقامها المختلف كليا عن سائر النساء.
أما اللون الأحمر فهو المحور الفكري المركزي في ثوب بيبي خانم. ففي الحضارة الشرقية يرمز الأحمر إلى قوة الدولة والاحتفال والإرادة الصلبة والنصر. ولذلك تشير المصادر إلى أن بيبي خانم كانت ترتدي في المراسم الرسمية والاستقبالات الدبلوماسية أزياء يغلب عليها الأحمر وعناصر الزربفت.
وقد تم اليوم إحياء صورة بيبي خانم في معرض المركز استنادا إلى مصادر علمية، ومنمنمات ظفرنامه، والتحليلات الإثنوغرافية، ودراسات علم الألوان. والثوب المعاد إحياؤه في المعرض لا يجسد زينة المرأة فحسب، بل يبعث روح ثقافة القصر التيموري. وهو بمثابة وثيقة تاريخية ثمينة، تعبر في كل طبقة من طبقاته عن قوة السلالة، والتراث الثقافي، وشخصية بيبي خانم الفريدة.
وهكذا فإن ثوب بيبي خانم ليس مجرد لباس، بل تراث تاريخي حي، قوي وغني بالقيم الروحية، يتحاور مع الماضي. وهو زينة العصر التيموري، ونموذج راق لجماليات القصر، وأحد الأسس الأولى لثقافة اللباس الوطني الأوزبكي، يحتل مكانة خالدة في تراثنا الثقافي.




