«أفق أوزبكستان الجديدة الصاعد» :STAR
نُشرت في صحيفة «STAR» الإلكترونية المرموقة في تركيا مقالة لممثل أوزبكستان لدى TURKSOY شوكت أورتيقوف بعنوان «أفق أوزبكستان الجديدة الصاعد». وتناولت المقالة الإصلاحات الواسعة النطاق التي نُفذت في السنوات الأخيرة في مجالات الثقافة والتنوير بقيادة فخامة رئيس الجمهورية شوكت ميرضيائيف، والمبادرات المهمة الهادفة إلى صون التراث الثقافي وأهميتها، ولا سيما المشروع الضخم والفريد الذي تحقق في أوزبكستان وهو إنشاء مركز الحضارة الإسلامية، ومسارات عمله وأنشطته.
تشهد أوزبكستان تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات التعليم والثقافة والعلوم والفنون وتربية الشباب. وقد أصبح تعبير «إرساء أسس النهضة الثالثة» مفهوما محوريا واسع التداول في حياة البلاد اليوم.
شوكت أورتيقوف
ممثل جمهورية أوزبكستان لدى TURKSOY
مع بدء شوكت ميرضيائيف مهامه رئيسا لأوزبكستان عام ٢٠١٦، لم تتجدد الحياة السياسية في البلاد فحسب، بل بدأت مرحلة تحولات جذرية في علاقات الدولة بالمجتمع وفي المناخ الثقافي والروحي.
وفي هذا السياق ارتقت علاقات أوزبكستان مع تركيا وأذربيجان وتركمانستان وجميع الدول التركية إلى مرحلة جديدة، وتعزز التعاون مع منظمة الدول التركية وTURKSOY وغيرها من الهياكل الدولية.
وعلى الرغم من وجود العديد من الدول المتقدمة اقتصاديا في العالم، فإن الحفاظ على الروحانية والأخلاق والقيم الثقافية لا يحظى بالمكانة ذاتها في جميع البلدان. وقد أدركت أوزبكستان أن التنمية لا ترتبط بالإصلاحات الاقتصادية وحدها، بل بالنهوض الثقافي والروحي أيضا. لذلك تُنفذ مشاريع كبرى في مجالات التعليم والثقافة والعلوم والفنون وتربية الشباب، وأضحى مفهوم «إرساء أسس النهضة الثالثة» مبدأ روحيا مهما في حياة البلاد.
عبر التاريخ كانت أرض أوزبكستان مهدا لعصرين عظيمين من التنوير، النهضة الأولى والنهضة الثانية. وشكلت أسماء مثل الخوارزمي والفرغاني والبيروني وابن سينا والزمخشري والإمام البخاري والإمام الترمذي والإمام الماتريدي والمرغيناني والنسفي وأولوغ بيك وعلي شير نوائي وبابر شخصيات كبرى أرشدت مسار التاريخ الإنساني.
غير أن الشعب مر عبر قرون بتجارب قاسية، وناضل للحفاظ على ثقافته وروحه. وكانت حركة الجددية في مطلع القرن العشرين رمزا لذلك النضال، إذ سعى الجددية إلى الارتقاء بوعي الشعب عبر التعليم والعلم والفنون والصحافة وصولا إلى الحرية، وضحى كثيرون بحياتهم في هذا الطريق.
واليوم تُبعث من جديد أحلام الجددية التي توقفت في منتصف الطريق.
دراسة منصفة للمعرفة الإسلامية...
كان يتم التعريف بالمتاحف والمدن التاريخية في أوزبكستان للضيوف القادمين من الخارج، لكن لم يكن هناك مكان يعرض تاريخ الدولة الممتد لثلاثة آلاف عام بصورة شاملة. وبموجب قرار رئاسي صدر في ٢٣ يونيو ٢٠١٧، انطلق تشييد مركز الحضارة الإسلامية ليجسد مشروعا عملاقا سد هذا الفراغ. وكان ذلك خطوة مهمة في مسار صون التراث الثقافي ودعم البحث العلمي وإنشاء فضاءات ثقافية وتنويرية معاصرة.
وفي خطابه أمام الدورة ٧٢ للجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد الرئيس شوكت ميرضيائيف على أهمية إيصال القيم الإنسانية والسلمية والمعرفية للإسلام إلى العالم، وأبرز الدور الخاص لعلماء أوزبكستان العظام في إظهار الوجه المشرق للإسلام للإنسانية.
وفي يوم عيد الفطر لعام ٢٠١٨ وُضع حجر الأساس للمركز. وقال الرئيس في المراسم: «إن الهدف من إنشاء هذا المركز هو دراسة المعرفة الإسلامية دراسة منصفة، وإيصال التراث العظيم لأسلافنا إلى شعبنا وإلى المجتمع الدولي».
على مدى ثماني سنوات جرى تشييد المبنى العملاق والبنية التحتية. وتفقد الرئيس المشروع شخصيا عشر مرات، وصدر أكثر من عشرة قرارات وأوامر لتحسينه وتطويره.
شُيد المبنى بطول ١٦١ مترا وعرض ١١٨ مترا بثلاثة طوابق، في انسجام بين التقاليد المعمارية العريقة والزخارف الوطنية. وتبلغ ارتفاعات الأروقة ٣٤ مترا، فيما يصل ارتفاع القبة الرئيسية في الوسط إلى ٦٥ مترا. وقلب المركز هو قاعة القرآن الكريم، حيث تُعرض إحدى أقدم الذخائر المقدسة في العالم الإسلامي، وهي نسخة نادرة من مصحف عثمان. كما تضم القاعة مخطوطات مقدسة تعود إلى عصور السامانيين والقراخانيين والخوارزمشاهيين والتيموريين، وترجمات تركية ونسخا قرآنية نادرة.
وفي السنوات الأخيرة نفذت أوزبكستان برنامجا واسعا لإعادة تراثها التاريخي المحفوظ في متاحف العالم والمجموعات الخاصة.
ودرست مجموعة عمل خاصة التراث الأوزبكي في أكثر من مئة مكتبة ومتحف في دول منها المملكة العربية السعودية وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وتركيا والمملكة المتحدة وروسيا وماليزيا وباكستان والكويت وإيران. كما جرى اقتناء أكثر من ٥٨٠ قطعة نادرة من مزادات Sotheby’s وChristie’s ومن مجموعات خاصة.
وفي مايو ٢٠٢٥ أُعيدت إلى أوزبكستان ٣٥ قطعة تعود إلى العصر السلجوقي من مزادات Christie’s. وتثير مقتنيات العصر التيموري اهتماما كبيرا في أسواق التحف العالمية، ولا سيما صفحة واحدة من مخطوطة «المعراج نامه» العائدة إلى عهد ميرزا شاه رخ التي قُدرت بقيمة عالية جدا.
كما أعادت أوزبكستان جزءا من نسخة قرآنية ضخمة نُسخت بأمر من أمير تيمور، ومخطوطات من «كتاب الشفاء» لابن سينا، ومخطوطات ومنمنمات من العصر البابري.
العلم والفن والإيمان في مكان واحد
يعرض المركز المسار التاريخي بصورة متكاملة بدءا من الحضارات السابقة للإسلام، مرورا بالنهضة الأولى والنهضة الثانية، وصولا إلى عصر أوزبكستان الجديدة.
وتدل أحجار الشطرنج المكتشفة في أفراسياب ودالفرزينتيبه على أن أوزبكستان كانت من المناطق التي نشأت فيها لعبة الشطرنج. كما يثبت الناي الذي يبلغ عمره ٣٣٠٠ عام، والذي عُثر عليه في قرية مومن آباد بأورغوت، عمق تقاليد الموسيقى في هذه الأرض عبر آلاف السنين.
المكتبات وورش العمل والتعاون الدولي
تضم الطابق الثالث من المركز مكتبة حديثة تحتوي على ٣٥٠ ألف كتاب مطبوع و٥ ملايين مصدر رقمي. كما تعمل في المركز مكاتب لليونسكو وTURKSOY وICESCO وIRCICA والعديد من المراكز العلمية العالمية. وقد أُنشئت مناطق تفاعلية خاصة للأطفال.
وشارك نحو ٥٠٠ مختص في منتدى العلماء الأول الذي عُقد عام ٢٠٢٣، ودُرست أكثر من ٦٠٠ مقترح. وعقد المجلس العلمي الذي أُنشئ لاحقا قرابة ٤٠ اجتماعا ونظر في أكثر من ٢٠٠ مسألة.
وفي أغسطس ٢٠٢٤ شارك ٣٥٠ عالما من أكثر من ٤٠ دولة في المؤتمر الدولي «إرث الأجداد العظام — أساس النهضة الثالثة» الذي عُقد في طشقند وسمرقند، واعتمد ١٧٠ مشروعا و٢٠٠ مقترح.
واستقبل المركز الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام لـTURKSOY سلطان راييف، والمدير العام لـICESCO سالم المالِك، والمدير العام لـIRCICA محمود إيرول قليتش، وشخصيات بارزة من العالم الإسلامي. وأعلن الرئيس شوكت ميرضيائيف في الدورة ٨٠ للجمعية العامة للأمم المتحدة أن مركز الحضارة الإسلامية سيفتتح قريبا.
كما استضاف المركز في ١٣–١٥ نوفمبر المؤتمر الدولي الكبير «آسيا الوسطى: التراث الروحي والمعرفي المشترك — مستقبل مشترك». وفي رسالة التهنئة التي وجهها الرئيس شوكت ميرضيائيف في افتتاح المؤتمر، حُددت المهام الأساسية للمركز في المرحلة المقبلة.
وأكد الرئيس شوكت ميرضيائيف:
«سيظل تبادل الخبرات والأفكار مع شركائنا الدوليين في مجال صون التراث الروحي والمعرفي، وتحديد الأولويات للمشاريع والأبحاث المشتركة، موضع اهتمام دائم لدينا. وبمشاركتكم سيكون إعداد مشروع قرار خاص للجمعية العامة للأمم المتحدة حول إسهام الحضارة الإسلامية في تطور المعرفة العالمية والعلوم خطوة عملية مهمة. ونخطط في العام المقبل لتنظيم فعالية خاصة في مقر الأمم المتحدة مكرسة للإرث العلمي والمعرفي الغني لأسلافنا. ومن الضروري أن ننجز معا أعمالا فعالة لتعزيز مكانة آسيا الوسطى بوصفها مركزا علميا وتنويريا عريقا».
إن كل من يزور مركز الحضارة الإسلامية يكتشف الإسهام الهائل لهذه الأرض في الحضارة العالمية، ويشعر بإجلال عميق وإعجاب كبير. فهذا المركز ليس مجرد صرح معماري، بل مشروع ثقافي يجسد روح أوزبكستان الجديدة وأهدافها وإرادتها في التجدد.
ويفخر الشعب الأوزبكي بحق بامتلاكه هذا المركز الفريد.








