في المعرض يستحضر الرمز المقدس، المحمل، الصفحات التي لا تنسى من رحلة الحج

كانت الأغطية المقدسة التي حملت إلى الكعبة المشرفة، وهدايا السلاطين، والمحمل الذي كان رمزا احتفاليا لقوافل الحج، من التقاليد المقدسة التي وحدت العالم الإسلامي على مدى قرون.
واليوم يعرض هذا الرمز التاريخي الفريد في المعرض المتحفي لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، مستحضرا الصفحات التي لا تنسى من شعائر الحج.
يحتل المحمل، بوصفه أحد أهم وأقدس الرموز المرتبطة عضويا بشعيرة الحج في التاريخ الإسلامي، مكانة بارزة ضمن معرض متحف مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. ويعد المحمل من أندر المعروضات، وهو في الأصل محفة خاصة مغطاة بكساء مزخرف، صممت في زمانها لنقل الكسوة الكعبية أو في بعض الفترات لنقل النساء ذوات المكانة الرفيعة. وكان المحمل يثبت عادة على ظهر الجمل، ويُحمل مع قوافل الحج المتجهة إلى مكة المكرمة.
محفة خاصة مغطاة بكساء مزخرف لنقل الكسوة.
١٨٣٦
إن مصطلح المحمل أو المحملات (بالعربية: محمل) مشتق من كلمة حمل بمعنى الرفع والنقل. ويتكون من هيكل خشبي مصمم بما يلائم ظهر الجمل، ذو قمة مدببة، يغطى بكساء احتفالي مزخرف يعرف بالستر، مزين بنقوش معقدة. وكانت هذه الأغطية تسمى أحيانا الكسوة أو ستر المحمل.
وتشير أقدم الأغطية التي تعود إلى العصر المملوكي إلى أنها كانت صفراء اللون، ثم انتشرت لاحقا نماذج باللونين الأحمر والأخضر. وقد زخرفت هذه الأقمشة بطغراء السلطان وآيات من القرآن الكريم مطرزة بدقة فائقة.
وبحسب المصادر التاريخية، فإن أول محمل أرسل في الأعوام ١٢٦٠–١٢٧٧ من قبل سلطان مصر بيبرس. وفي القرون اللاحقة أرسلت المحامل أيضا من إسطنبول والقاهرة ودمشق واليمن وحيدر آباد ودارفور وأقاليم الدولة التيمورية. ومع أن الطريق الرئيسي لقافلة الحج المصرية كان ينطلق من القاهرة، إلا أنه ابتداء من أواخر القرن الرابع عشر بدأت قافلة أخرى تنطلق سنويا من مدينة أسيوط بمحمل مستقل.
وكان وصول المحمل إلى مكة يعد حدثا دينيا كبيرا، إذ كان السكان المحليون والحجاج يجتمعون لمشاهدته. وقبل دخول المدينة كانت الأقمشة البسيطة التي غطته أثناء السفر تستبدل بكسوات ملونة مزخرفة.
وتذكر المصادر أن المحامل القادمة من مختلف البلدان كانت تتنافس على نيل أشرف مكان أمام الكعبة المشرفة. وكان الاعتقاد سائدا بأن المحمل العائد من مكة يجلب البركة، لذا كان الناس يتبركون بلمسه أو بوضع مناديلهم داخله لفترة وجيزة.
وتوجد آراء متعددة حول أصل تقليد المحمل. إذ يذكر الرحالة التركي أولياء جلبي أن المحامل الأولى كانت تحمل مقتنيات النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل نعله ولباسه وإنائه، ولذلك كان المحمل يرمز معنويا إلى قبر النبي. ووفق نظرية أخرى، فإن أول سلاطين المماليك شجر الدر أدت فريضة الحج في محفة ملونة، وبعد وفاتها استمر هذا التقليد في صورة محفة فارغة.
كما تختلف الروايات حول محتويات المحمل، فبعضها يذكر أنه كان فارغا تماما، بينما تشير أخرى إلى أنه كان يحتوي على مصحف أو كتاب أدعية. وتذكر مصادر تعود إلى عام ١٥٧٥ محملا حمل مصحفا مكتوبا بحروف من ذهب. أما رحالة القرن التاسع عشر فقد أشاروا أحيانا إلى أن نسخ القرآن لم تكن توضع داخل المحمل، بل تثبت خارجه في أغماد ثمينة خاصة.
إبراهيم عثمانوف، دكتور فلسفة في التاريخ:
"في فترات مختلفة كانت ترسل إلى منطقة الحجاز أغطية الكعبة من بلدان مثل العراق ومصر والشام واليمن وتركيا عبر المحمل. وكانت هذه القوافل تحمل معها أيضا هدايا مخصصة من قبل الملوك والسلاطين، توزع بين سكان القدس والمدينة المنورة ومكة.
ويعد تاريخيا أن أكثر دولة أرسلت أغطية الكعبة عبر المحمل هي مصر، حيث كانت الكسوات التي تصنع هناك ترسل إلى مكة على مدى نحو سبعة قرون. ومع إنشاء مصانع خاصة لصناعة كسوة الكعبة في المملكة العربية السعودية في القرن العشرين، تحول تقليد نقلها عبر المحمل إلى إرث تاريخي."
وفي يومنا هذا بقي المحمل محفورا في التاريخ بوصفه أحد أهم الرموز المقدسة والدلالية لشعيرة الحج. والمحمل المعروض في معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبستان، والذي صنع بأمر من السلطان محمود الثاني عام ١٨٣٦، يمثل شاهدا تاريخيا فريدا يعكس تقاليد الحج العريقة.
شهنوزة رحمانوفا
ملاحظة: يمكن نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز




