عمل أثري «ينطق» بعمره وتاريخه: ماذا يرمز إليه الأثر البرونزي العائد إلى القرن الحادي عشر الذي أُعيد من لندن؟

أرجل على هيئة فيلة، وزخارف هندسية رفيعة، وإناء برونزي صمد عبر القرون… هذا الإناء الذي ترونه في الصورة ليس أداة منزلية عادية، بل هو عمل فني نادر صُنع في إقليم ما وراء النهر في القرنين ١١–١٢، وأعيد من لندن إلى أوزبكستان. واليوم يحتل مكانه في معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، ليأخذكم إلى العالم الروحي لعصر النهضة الأولى.
يعد مبخرة برونزية صُنعت في ما وراء النهر في القرنين ١١–١٢ نموذجا بارزا لفن تشكيل المعادن في العصور الوسطى. ولا ينظر إلى هذه القطعة بوصفها إناء عمليا فحسب، بل كعمل فني يحمل مضمونا روحيا من خلال بنيته وزخرفته وحلوله الرمزية.
صنعت المبخرة من البرونز، وتتكون من وعاء واسع الفوهة وثلاثة دعامات تحملها. وتلفت هذه الدعامات الانتباه لكونها مصممة على هيئة فيلة، ما يدل على أنها كانت قطعة ثمينة مخصصة للاستخدام في الطقوس والمراسم الخاصة.
غوزال وهابوفا، دكتورة فلسفة في تاريخ الفن:
«في العصور الوسطى الإسلامية كانت مثل هذه الأواني البرونزية تستخدم أساسا لإحراق الطيب، أي تبخير البخور. وتشير المكتشفات الأثرية والمصادر المكتوبة إلى أن عادة تبخير البخور ارتبطت بتطهير المكان بالرائحة وتنقيته روحيا. ولذلك لم تكن هذه الأواني تعد أدوات منزلية عادية، بل قطعا خاصة مخصصة للاستخدام في الطقوس والشعائر.
إن الزخارف على سطح القطعة تجمع بين الزخرفة الهندسية الإسلامية ورموز تعود إلى تقاليد ثقافية متعددة. ويستحق استخدام صورة الفيل اهتماما خاصا، إذ يدل ذلك على الروابط الثقافية الوثيقة التي كانت تربط آسيا الوسطى بالهند وغيرها من المناطق. أي أن هذه القطعة، إلى جانب كونها نتاجا للحرف المحلية، تجسد أيضا فكرا فنيا تشكل تحت تأثير ثقافات متعددة».
كان البرونز في العصور الوسطى سبيكة مستخدمة على نطاق واسع، معروفة بمتانتها وقدرتها على البقاء لفترات طويلة. ومع مرور الزمن، تشكلت على سطح الإناء طبقة طبيعية خضراء اللون تُعرف بالباتينا، وهي دليل واضح على قِدم القطعة. ولا تضر هذه الطبقة بالأثر، بل على العكس، تُبرز زخارفه ونقوشه بشكل أعمق وأكثر تأثيرا. ولذلك يقيّم المتخصصون هذه الباتينا بوصفها علامة طبيعية «ناطقة» بعمر الأثر وتاريخه.
في إقليم ما وراء النهر، وخلال القرنين ١١–١٢، ولا سيما في عهدي القراخانيين والغزنويين، تقاطعت طرق التجارة الكبرى، وازدهرت الحرف والثقافة. ولهذا يمكن اعتبار هذا العمل قطعة ثمينة تعكس، إلى جانب التقاليد المحلية، التأثيرات الفنية العابرة للمناطق.
أعيد هذا الأثر من لندن إلى أوزبكستان، وهو محفوظ حاليا في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، ويعرض للجمهور الواسع.
ليلى عبد القهاروفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز





