أولى التعاليم حول الخير والإنسان: صفحة من الأفستا بالخط السغدي معروضة في المعرض

يحتل تعليم الزرادشتية الذي نشأ في خوارزم القديمة ومصدره المقدس كتاب «الأفستا» مكانة خاصة في مسيرة تطور الحضارة الإنسانية. واليوم يُعرض هذا النموذج الفريد من التراث الروحي، المتمثل في صفحة من الأفستا بالخط السغدي، في قسم حضارات ما قبل الإسلام ضمن معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
يعد «الأفستا» الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية التي كانت سائدة بين شعوب توران في مرحلة ما قبل الإسلام، وهو من أقدم الشواهد على الفكر الروحي الإنساني. وفيه طُرحت لأول مرة فكرة الإله الواحد خالق الوجود، كما مُجد الإنسان وعمله الصالح. ويُفسر الصراع بين الخير والشر كفكرة مركزية، حيث يُصور أهورا مزدا مرشدا للخير، في حين يُجسد أهريمان رمز الشر.
ويبشر الأفستا بانتصار الخير، ويُبرز دور الإنسان كقوة حاسمة في إنقاذ العالم من الشر. أما شعاره الأخلاقي الفلسفي الرئيس «الفكر الصالح، القول الصالح، العمل الصالح» فما يزال إلى يومنا هذا محتفظا بأهميته كقيمة إنسانية عامة.
وتُظهر صفحة كتاب «الأفستا» العائدة إلى القرن ١٣ والمعروضة في معرض المركز كيف حُفظ هذا النص المقدس بعناية عبر القرون، ومدى سمو قيمته الروحية. فهذه الصفحات لا تمثل نصا دينيا فحسب، بل تعكس أيضا ثقافة الكتابة وفن النسخ والبيئة الثقافية لعصرها.
كما تجذب انتباه الزوار في المعرض قطعة دعاء من الأفستا مكتوبة بالخط السغدي تعود إلى القرنين ٧–٨. وتعد مثل هذه النسخ من نصوص الأفستا المحفوظة بالخط السغدي نادرة للغاية، وهي دليل على انتشار أفكار الزرادشتية بين شعوب وبيئات ثقافية مختلفة. وتتجسد في هذه الصفحة المكتوبة بالخط السغدي كلمات إلهية وابتهالات ودعوة إلى الخير، حيث تحتل فكرة «الحقيقة هي أسمى نعمة» مكانة مركزية. وجاء فيها: «الحقيقة هي أسمى نعمة. أنا أقول الحق، ورغبتي هي الحقيقة، والحق هو تعبير الحقيقة…».
ومن بين الآثار النادرة الأخرى المعروضة صفحة من «الأفستا» مكتوبة بخط الأفستا نفسه. ويعتمد هذا الخط على أبجدية خاصة أُنشئت خصيصا لكتابة النصوص المقدسة للزرادشتية. ويُكتب من اليمين إلى اليسار، وقد صُمم نظام الحروف والروابط فيه للحفاظ على دقة النطق والمعنى.
وقال أنور متنييازوف، الباحث العلمي البارز في مركز الحضارة الإسلامية:
تُعد لغة الأفستا من اللغات القديمة التي استُخدمت أساسا في النصوص الدينية، وقد مهدت لاحقا لظهور أنظمة كتابية جديدة مثل الخط البهلوي. وتشهد هذه التقاليد الكتابية على وجود ثقافة روحية رفيعة في خوارزم القديمة والمناطق المجاورة لها.
وليس من قبيل المصادفة عرض الأفستا وما يرتبط به من آثار في قسم حضارات ما قبل الإسلام ضمن معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. فهذه المعروضات تُظهر أن روحانية شعبنا ونظرته إلى العالم وقيمه الأخلاقية لم تتشكل بعد دخول الإسلام فحسب، بل هي نتاج عملية حضارية متواصلة تشكلت عبر آلاف السنين.
إن الأفستا ليس مجرد كتاب مقدس للديانة الزرادشتية، بل هو ظاهرة حضارية إنسانية وصفحة مشرقة في تاريخ الفكر البشري. وإن الحفاظ عليه ودراسته وتقديمه للجمهور الواسع يمثل خطوة مهمة في طريق إدراك الهوية الوطنية وتعزيز الذاكرة التاريخية.
دوردونا رسولوفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز




