!القلم والكتابة والحروف تنطق في معرض حي

في القرنين الرابع عشر والخامس عشر لم تكن الكتابة في آسيا الوسطى مجرد وثيقة عادية، بل تحولت إلى فن يعبر عن الروح والفكر. ففي سن القلم علم، وفي الحبر معنوية، وفي الحروف حضارة كاملة كامنة. إن معروضات فن الخط العائدة إلى تلك الحقبة، المعروضة في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، تتحدث عن سمو فكر أسلافنا وذوقهم الفني الرفيع.
في النصف الثاني من القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر شهدت آسيا الوسطى، ولا سيما مناطق ما وراء النهر وخراسان، نهضة كبرى في العلوم والآداب والعمارة، إلى جانب ازدهار فن الخط الذي بلغ مرحلة عالية من التطور. فلم تعد الكتابة وسيلة لنقل المعلومات فحسب، بل غدت فنا متكاملا يعكس الفكر الجمالي والذوق الرفيع والكمال المعنوي.
كتب الخطاطون نسخ القرآن الكريم ومجاميع الحديث والمؤلفات العلمية والتاريخية بمهارة عالية، لا من حيث المضمون فحسب، بل من حيث الشكل والأسلوب أيضا. وتطورت أنواع الخطوط مثل النسخ والثلث والمحقق والنستعليق، وتشكلت مدارس للخط، وحافظت على تقاليدها عبر القرون.
معروضات الخط المعروضة في جدار الحضارات والاكتشافات
كان للأدوات الخاصة دور مهم في تطور فن الخط. فالقلم والمقلمة والمحبرة لم تكن تلبي حاجة عملية فحسب، بل جسدت أيضا الرؤى الجمالية والحرفية والآفاق المعنوية لتلك المرحلة. وصنعت الأقلام من القصب أو الخيزران أو غصن الرمان، وأعدت بما يتناسب مع كل أسلوب خطي. وكان القلم في يد الخطاط وسيلة دقيقة لنقل الفكر والروح إلى الورق.
أما المقالم فكانت تصنع من الخشب أو المعدن أو الفخار، وتزين بالنقوش والكتابات، معبرة عن المكانة الاجتماعية للخطاط وذوقه الفني. في حين خدمت المحابر في حفظ الحبر وضمان جودته، وكان دوام الحبر المحضر وفق وصفات خاصة مرتبطا بهذه الأوعية.
ويحمل عرض آيات من سورة الفاتحة في المعرض دلالة رمزية، إذ تعد الفاتحة في الثقافة الإسلامية دعاء للرحمة والهداية والإرشاد الروحي، ولذلك فسرت بوصفها مقدمة معنوية لأفكار الحضارة الداعية إلى العلم والمعرفة.
يقول كبير الباحثين في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الخطاط حبيب الله صالح:
إن فن الخط في القرنين الرابع عشر والخامس عشر يعد تعبيرا مشرقا عن تطور حضارة آسيا الوسطى، إذ يعكس انسجام العلم والمعنوية والفن. وإن المعروضات المعروضة في جدار الحضارات والاكتشافات تمثل جسرا مهما ينقل التراث العلمي والفكري لأسلافنا العظام إلى أجيال اليوم.
كما أن النصوص المعروضة في المعرض تحمل مضامين معنوية عميقة، ولا سيما أبيات علي شير نوائي الشهيرة عن الإنسانية والعدل والمسؤولية الأخلاقية، التي تجلت رمزا للقيم الأساسية للحضارة:
لا تقل إنك إنسان لمجرد أنك إنسان
إن لم تحمل هم الناس فلا قيمة لاسم الإنسان
(يمكنكم الاطلاع على الأبيات الأصلية في المقال باللغة الأوزبكية)
تؤكد هذه الأبيات أن قيمة الإنسان تقاس بمسؤوليته تجاه المجتمع. كما تكشف الأبيات المتعلقة بالعدل والإنصاف والإيمان عن الارتباط الوثيق بين العلم والمعنوية في الحضارة الإسلامية.
واليوم تحتل هذه المعروضات الخطية مكانة لائقة ضمن معرض جدار الحضارات والاكتشافات في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
دوردانة رسولوفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز





