صرح يحظى باهتمام العالم وتقديره

ومن الجدير بالذكر أن هذه الزيارة كانت تاريخية بحق. وخلال العام الماضي اكتمل بناء مبنى المركز بالكامل. ولتطوير أنشطة المركز وإثراء محتواه تم إشراك متخصصين ومصممين من أكثر من ٤٠ دولة، وحشدهم لخدمة هذا المشروع الضخم الذي أُنجز بمبادرات وأفكار فخامة رئيسنا.
وفي سبتمبر ٢٠٢٥ أعلن رئيس دولتنا من على منبر الأمم المتحدة الرفيع عن اكتمال بناء مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان وقرب افتتاحه. ويجدر التأكيد أن المحتوى الداخلي قد أُثري بشكل أكبر خلال الفترة الماضية. وأصبح المركز معلما فريدا يحظى باهتمام العالم. واليوم يتعرف كبار الضيوف القادمين من مختلف أنحاء العالم، وقادة الدول والمنظمات الدولية، عن قرب على أنشطة المركز ومشاريعه العلمية المتعلقة بالحضارات والشخصيات والاكتشافات، ويعترف مشاهير العالم بهذه الحقيقة علنا.
يشهد العالم اليوم مرحلة من التحولات الحضارية العميقة. فالتقدم التكنولوجي يسبق الوعي الأخلاقي، والأزمات العالمية – من الصراعات الجيوسياسية إلى فقدان الهوية الثقافية – تضع على جدول الأعمال مسألة قدرة البشرية على الحوار. وفي وقت يتحول فيه الدين أحيانا إلى أداة صراع، والثقافة إلى خط انقسام، تتزايد الحاجة إلى منصات جديدة قادرة على إعادة الجوهر الإبداعي الأصيل إلى الحوار الحضاري.
وفي مثل هذه اللحظة التاريخية، وفي قلب أوراسيا – على أرض نشأت فيها حضارات وإمبراطوريات عظيمة، والتقت فيها طرق التجارة والأديان والمدارس العلمية والثقافات عبر آلاف السنين – وُلد فضاء فريد من نوعه هو مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. ولم يكن إنشاؤه صدفة ولا نتيجة مشروع شعبوي. بل هو تعبير مباشر عن الرؤية الاستراتيجية لرئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرومونوفيتش ميرضيائيف.
ففي عام ٢٠١٧، ومن على منبر الأمم المتحدة، دعا رئيسنا المجتمع الدولي إلى استعادة المكانة الحقيقية للحضارة الإسلامية في تاريخ العالم، مؤكدا أن الإسلام يقوم على قيم التنوير والعلم والإنسانية، وأن مواجهة التطرف والجهل لا تكون إلا بقوة المعرفة والثقافة.
وخلال زيارته لمركز الحضارة الإسلامية قيد الإنشاء، أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بهذا التوجه قائلا:
«إن رئيسكم شوكت ميرضيائيف قائد عظيم وذو مكانة مرموقة، وهو يروج باستمرار من على منبر الأمم المتحدة الأعلى لأفكار الحوار والتنوير والاحترام المتبادل».
وتعكس هذه الكلمات حقيقة أدركها المجتمع الدولي بالفعل: أن أوزبكستان في ظل قيادة شوكت ميرضيائيف لم تعد هامشا في التاريخ، بل أصبحت من صانعيه الفاعلين.
كما أن خطاب رئيس أوزبكستان من على منبر الأمم المتحدة شكّل الأساس الفكري والعلمي للمركز، ليس فقط بوصفه صرحا معماريا ضخما، بل كنموذج إنساني جديد تماما على المستوى العالمي. وضمن هذا النموذج يُعرض الإسلام من خلال تاريخ الحضارات العظيمة التي شهدت ثورات علمية، وتأسست فيها الجامعات والأكاديميات والمكتبات والمختبرات، ووُضعت فيها أسس الطب والفلسفة والفنون والبحث العلمي، وتشكّل فيها الأساس الفكري للعالم المعاصر.
وبفضل الإرادة السياسية الشخصية للرئيس، ورؤيته الاستراتيجية وقيادته المتواصلة، تم تنفيذ فكرة إنشاء مركز الحضارة الإسلامية بصيغة غير مسبوقة من حيث الحجم والمضمون والأهمية الدولية. فقد أُنشئ مجمع حضاري فريد يجمع بين متحف بمعايير العصر الجديد، وبنية تحتية بحثية متقدمة، ومكتبة حديثة للغاية، ونظام أرشيف وطني ودولي يغطي تطور حضارات آسيا الوسطى، وتقنيات إنسانية رقمية، وشبكات واسعة من التعاون العلمي والثقافي العالمي.
وقد قيّم رئيس جمهورية كازاخستان قاسم جومارت توكاييف هذا المشروع تقييما عاليا قائلا:
«إنه صرح ضخم وفريد. إنه بالفعل مشروع علمي وسياحي وإثنوثقافي. وأتفق مع رئيس أوزبكستان على أن مركز الحضارة الإسلامية هنا في طشقند يمكن أن يصبح منصة مشتركة لإجراء البحوث العلمية في مجال مهم جدا».
كما يؤكد خبراء العالم أن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان ليس مجرد منشأة بنية تحتية أو تعبير رمزي عن سياسة ثقافية، بل هو استجابة حضارية واعية من قائد أوزبكستان للتحديات العالمية المعاصرة. وهو أول مشروع في تاريخ العالم الإسلامي يُنشأ بهذا الحجم ليكون منصة عالمية ودائمة للحوار الحقيقي بين الحضارات.
وفي الواقع، ولأول مرة في تاريخها، تحملت أوزبكستان رسالة تاريخية وروحية تتمثل في مواجهة تشويه صورة الإسلام والحضارة الإسلامية، لا بالشعارات التقليدية أو البيانات في المنتديات والمؤتمرات الدولية، بل بإنشاء فضاء فكري حقيقي وفاعل ذي أهمية عالمية.
وقد عبّر رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف عن هذا المعنى بوضوح قائلا:
«بزيارتنا لمركز الحضارة الإسلامية الذي أُنشئ بمبادرة من رئيس أوزبكستان، رأينا مرة أخرى مدى التزام قيادة البلاد بالحفاظ على القيم الثقافية والروحية الغنية للشعب الأوزبكي وتعزيزها. وفي ظل تصاعد الهجمات على ديننا في بعض البلدان، واتخاذ الإسلاموفوبيا طابعا منهجيا، يكتسب افتتاح مركز الحضارة الإسلامية أهمية خاصة. فهذا المركز يُظهر بوضوح للعالم أجمع أن الإسلام دين البناء والإنسانية والتسامح والصداقة والأخوة».
ويؤكد الخبراء والسياسيون بالإجماع أن هذا المشروع أصبح درعا إنسانيا في مواجهة التطرف وتشويه صورة الإسلام – درعا صُنع لا بالقوة، بل بالعلم والمعرفة.
إن عملية استعادة التراث الثقافي تحتل أهمية خاصة في نشاط المركز. وبناء على توجيهات رئيس جمهورية أوزبكستان أُنشئت آليات حكومية ودبلوماسية خاصة، ما أتاح للمركز إقامة تعاون منهجي مع أكبر بيوت المزادات في العالم – Sotheby’s وChristie’s وBonhams – وكذلك مع كبرى المؤسسات المتحفية والجامعين الخاصين. ونتيجة لذلك أُعيد إلى البلاد ما يقارب ألفي قطعة أثرية نادرة. ومن بينها مخطوطات ابن سينا، ومؤلفات البيروني، ومنمنمات العصر التيموري، وروائع الفن الإسلامي، وغيرها من الذخائر الفريدة التي حُفظت خارج الوطن لعقود بل لقرون.
وهذا لا يمثل مجرد إثراء ضخم للمعارض المتحفية في المركز، بل هو تجسيد عملي لإعادة الذاكرة الحضارية لآسيا الوسطى واستعادة العدالة التاريخية.
ومن هذا المنطلق، أعرب رئيس جمهورية باراغواي سانتياغو بينيا، أثناء اطلاعه على معارض المركز، عن إعجابه قائلا:
«لقد تركت في نفسي زيارة معارض مركز الحضارة الإسلامية انطباعا عميقا للغاية. فالعديد من المنجزات العلمية والثقافية التي أسهمت إسهاما لا يضاهى في تطور الحضارة الإنسانية نشأت لأول مرة على هذه الأرض. وللأسف لا يعلم الجميع في العالم أن أولى المؤلفات الأساسية في علم الجبر والطب وغيرها من العلوم ظهرت هنا. لقد ألهمتني هذه الزيارة وعززت ثقتي بأن أوزبكستان تمتلك إمكانات هائلة. إن تاريخ أوزبكستان فريد حقا».
وتعكس هذه الكلمات اعترافا بأن أوزبكستان، بفضل سياسة أوزبكستان الجديدة، بدأت من جديد تخاطب العالم بلغة تاريخها الحقيقي.
ويرى الخبراء والقادة السياسيون أن رئيس أوزبكستان لا يكتفي بإحياء الماضي وفهم الحاضر، بل يعمل بصورة منهجية وهادفة على تشكيل المستقبل. ولهذا نشأ مركز الحضارة الإسلامية منذ البداية كنظام ديناميكي متطور – منصة علمية دولية، وفضاء إعلامي، ومركز للنشر والتعليم. وهنا تتشكل أجيال جديدة من الدراسات الإسلامية، وتتطور تقنيات متحفية متقدمة، وتتبلور اتجاهات جديدة في الدبلوماسية الثقافية المعاصرة.
وقد صرح رئيس جمهورية فنلندا ألكسندر ستوب بعد زيارته للمركز قائلا:
«بصراحة، وجدت نفسي هنا في دوامة من الانطباعات غير المسبوقة حقا. كل معرض، وكل قاعة، وكل تفصيل مدروس بعناية وعمق. إن تقديم تاريخ يمتد لثلاثة آلاف عام إلى الجيل الحالي بصيغة عصرية ومؤثرة وموثوقة يتطلب فنا رفيعا ومهارة كبيرة. لقد لم يحي هذا المركز تراث القرون الماضية فحسب ويعد تفسيره، بل أصبح أيضا مصدر إلهام للأجيال القادمة. إن المعارض التفاعلية والتقنيات الابتكارية مؤثرة للغاية – فهي تجذب الشباب فعلا. هنا لا يُقرأ التاريخ – بل يُعاش ويُشعر به. من المستحيل أن يبقى المرء غير مبال أو أن يشعر بالملل في هذا الفضاء. فكل مشهد، وكل لمسة ضوئية، وكل تفصيل له معناه ومنطقه الفني الخاص. أغادر هذا المركز بشعور صادق من الامتنان والاحترام العميق والإعجاب».
يبرز مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان اليوم بوصفه مركزا فكريا يتشكل تدريجيا لخدمة العالم المعاصر. وكما كان لبيت الحكمة في بغداد، وأكاديمية مأمون في خوارزم، ومدرسة أولوغ بيك في سمرقند دور محوري في عصورها، فإن المركز يتحول اليوم إلى فضاء مماثل – ليس مجرد مكان لحفظ العلم وتراكمه، بل بيئة تنقل روحا حددت مسار التطور الفكري والروحي للحضارات.
غير أن نشاط المركز في المرحلة التاريخية الراهنة يشمل مهاما أسمى وأوسع نطاقا. فإذا كانت المراكز العلمية في الماضي تتكون ضمن إطار زمانها وثقافتها، وكانت الأفكار تنتشر عبر المخطوطات والترجمات والأجيال على مدى قرون، فإن مركز الحضارة الإسلامية قد صُمم منذ يومه الأول، بمبادرة من رئيس الدولة، ليكون منصة تعليمية وثقافية إنسانية عالمية مفتوحة.
إن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمثل مؤسسة حضارية من طراز جديد خاص بالقرن الحادي والعشرين. ففيه يتكامل التاريخي مع الرقمي، وتتحول المخطوطة إلى مصدر رقمي عالمي، ويتخذ المتحف طابعا بحثيا أقرب إلى المختبر العلمي، ويغدو التراث الوطني معيارا إنسانيا للحوار الدولي والتفاهم المتبادل والبناء المشترك.
ومن المناسب أن نختتم هذا المقال بكلمات رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش:
«لم أر مركزا مماثلا لهذا من قبل في أي مكان. إن مركز الحضارة الإسلامية شُيّد وصُمم بأسلوب حديث وجميل للغاية. لقد تعلمت اليوم الكثير، وبالتأكيد سأعود إلى هنا مرة أخرى. وأود أن أقول لجميع مواطني صربيا: أعزائي، لقد ارتكبت خطأ كبيرا لأنني لم أزر هذا البلد من قبل. أرجوكم، تعالوا في أقرب وقت ممكن لتروا أوزبكستان».
فردوس عبد الخالقوف
مدير مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان




