جدل دام ألف عام: مراسلات ابن سينا والبيروني تعرض للجمهور لأول مرة

في تاريخ الفكر الإنساني توجد حوارات علمية لا تفقد قيمتها عبر القرون. ويعد تبادل الأسئلة والأجوبة العلمية بين العالمين الجليلين أبي علي ابن سينا وأبي ريحان البيروني، اللذين أنجبتهما أرض خوارزم وبخارى، نموذجا فريدا من هذا التراث العلمي والروحي النادر. فهذه المراسلات في مجالات الفلك والفيزياء والفلسفة لا تكشف فقط عن مستوى العلوم في ذلك العصر، بل تبرز بوضوح مدى رقي ثقافة التفكير النقدي في عصر النهضة الشرقية. واليوم يعرض أحد هذه المخطوطات النادرة التي توثق أقدم المناظرات الفكرية في تاريخ العلم أمام الجمهور الواسع من خلال معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.
يعد أبو علي ابن سينا منذ ألف عام من أعظم العلماء في تاريخ العلوم العالمية بلا منازع. وفي الوقت نفسه حاز أبو ريحان البيروني شهرة لا تقل عنه بفضل قدراته العلمية ومعارفه الموسوعية وأبحاثه الواسعة. حتى إن المؤرخ الشهير في تاريخ العلم جورج سارتون أطلق على القرن ١١ اسم عصر البيروني تقديرا لمكانته الرفيعة في مسيرة تطور العلوم.
عاش هذان العالمان الكبيران من خوارزم وبخارى في الحقبة نفسها، ولذلك لا تزال علاقاتهما العلمية وحواراتهما ومناظراتهما موضع اهتمام الباحثين حتى اليوم. وقد أنجزت دراسات علمية متعددة حول الحوار العلمي بين هذين العقلين الكبيرين اللذين عاشا في عصر واحد.
إن المراسلات العلمية التي جرت بين أبي علي ابن سينا وأبي ريحان البيروني في أواخر القرن ١٠ تقدم معطيات ثمينة عن التصورات السائدة آنذاك في مجالات الفلك والفلسفة والفيزياء. فقد بعث البيروني بأسئلته العلمية، ورد ابن سينا عليها بإجابات مفصلة.
وتشير المصادر إلى أن ابن سينا أجاب عن معظم أسئلة البيروني، غير أن البيروني أبدى اعتراضات على جميع الأجوبة باستثناء الجوابين السادس والثامن من القسم الأول، والجواب الثامن من القسم الثاني. وقد تصدى لهذه الاعتراضات أبو عبد الله المعصومي تلميذ ابن سينا، فكتب ردودا دافع فيها عن آراء أستاذه وعززها. وكان المعصومي من أقرب تلامذة ابن سينا، وقد أهداه العالم الكبير كتابه الشهير كتاب العشق.
وتحفظ مخطوطات هذه المراسلات اليوم في مؤسسات علمية ومكتبات متعددة حول العالم. وقد نشرت الرسالة لأول مرة سنة ١٩١٧ في القاهرة ضمن مجموعة جامع البدائع. كما وردت في المجلد الثاني من كتاب رسائل ابن سينا الصادر عن جامعة إسطنبول سنة ١٩٥٣. أما الدراسة العلمية المعمقة لهذه المراسلات فقد بدأت أساسا بعد النصف الأول من القرن ٢٠. وقد نشرت الرسالة المعروفة باسم أسئلة وأجوبة البيروني وابن سينا لأول مرة في كتاب مستقل سنة ١٩٥٠ باللغات الأوزبكية والعربية والروسية، وتضم في مجموعها ١٨ سؤالا وجوابا.
وتتناول الأسئلة العشرة الأولى قضايا متعلقة بكتاب أرسطو في السماء، حيث نوقشت طبيعة الفلك وحركته وأزليته، وأشكال الأجسام وقابليتها للانقسام، وانتشار ضوء الشمس والحرارة وغيرها من المسائل الأساسية.
أما الأسئلة الثمانية المتبقية فتتعلق بكتاب الفيزياء لأرسطو، وتشمل موضوعات مثل انكسار الضوء، وتمدد الأجسام وانكماشها، وطفو الجليد على سطح الماء، ومسألة الخلاء، إضافة إلى قضايا علمية مرتبطة بالأرض والظواهر الطبيعية.
وتجسد هذه الأسئلة والأجوبة بوضوح رؤية العالمين ومنهجهما المنطقي وثقافة المناظرة العلمية لديهما، كما تعكس مدى تطور تقاليد التفكير النقدي والنقاش القائم على البرهان في العلوم الشرقية.
وقد خصص لهذه المراسلات النادرة مكانة متميزة في معرض مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان الذي شيد بمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف. وقد أدرج الإصدار الفاكسيميلي لمخطوطات المراسلات العلمية بين البيروني وابن سينا ضمن قسم عصر النهضة الأولى في المعرض.
شاهنوزا رحمونوفا
ملاحظة يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى الموقع الرسمي للمركز





