إعادة ولادة الاكتشاف العظيم وانتشاره إلى العالم عبر الخوارزمي
كما أكد رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف: «كل أمة تعظم تاريخها، لكن لا يوجد في أي مكان تاريخ غني كبلدنا، ولا علماء عظام مثل أجدادنا. يجب أن ندرس هذا التراث بعمق، وأن نوصله إلى شعبنا وإلى العالم. ينبغي لمن يأتي إلى هذا المركز أن يحصل على تصور كامل عن تاريخنا وأن يغادر بقيمة معنوية عظيمة».
اليوم تجد هذه الأفكار تأكيدها العملي. فقد أصبح مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي فتح أبوابه عشية عيد رمضان، خلال فترة قصيرة محط اهتمام الجمهور ومعلماً مهماً يجذب الزوار من داخل البلاد وخارجها.
هذا المركز الذي شُيّد بمبادرة شوكت ميرضيائيف هو فضاء مفاهيمي يخدم إدراك الهوية الوطنية، واستشعار استمرارية الفكر العلمي، وتقديمه برؤية معاصرة.
وتُعدّ قاعة الشخصيات العظيمة الواقعة في بهو المدخل التعبير الفني الأبرز عن هذه الفكرة. فمن خلال تركيب ضخم يتكون من ١٤ قوساً، تم عرض العلماء الذين أسهموا إسهاماً لا مثيل له في تقدم الإنسانية، وكذلك الحقب التاريخية، ضمن تسلسل منطقي وانسجام فني رفيع.
إن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، الذي أُنشئ على أساس هذا الهدف السامي، لا يقتصر على كونه مكاناً يجمع التراث التاريخي، بل هو فضاء مفاهيمي يجسد الهوية الوطنية واستمرارية الفكر العلمي. وقد أصبحت قاعة الشخصيات العظيمة في بهو المدخل تجسيداً فنياً لهذه الفكرة، حيث تم إبراز العلماء والحقب التي أسهمت في تطور الإنسانية ضمن تناغم منطقي وفني من خلال تركيب مكون من ١٤ قوساً.
ومن بين الأقواس في المعرض، يوجد قوس مخصص لمحمد بن موسى الخوارزمي (٧٨٠–٨٥٠)، العالم الموسوعي العظيم وأول مدير لبيت الحكمة في بغداد، الذي كان أحد أبرز المراكز العلمية في القرن التاسع.
في الجزء العلوي من العمل تم تصوير علماء بيت الحكمة بشكل رمزي، بينما وُضعت في مركز التكوين صورة الخوارزمي بوصفه الشخصية الرئيسية. وفي وسط اللوحة يظهر كتابه المؤسس لعلم الجبر «كتاب الجبر والمقابلة».
كما تم تجسيد أحد أعظم اكتشافاته بشكل رمزي، وهو نظام الحساب العشري الموضعي، الذي عرضه في كتابه «كتاب الحساب الهندي». وفي الجزء السفلي من التكوين صُورت الأرقام الرومانية وأنظمة العد الخاصة بمختلف الشعوب في العصور القديمة.
وقد أدى ترجمة «كتاب الجبر والمقابلة» إلى اللغة اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر إلى انتشار نظام الحساب العشري الموضعي عبر أوروبا إلى العالم بأسره. ويبدأ النص اللاتيني بعبارة «Dixit Algorizmi» أي «قال الخوارزمي». ولم يُعرف أن كلمة «algorizmi» تشير في الأصل إلى اسم محمد بن موسى الخوارزمي إلا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وقد تحولت هذه الكلمة لاحقاً إلى مصطلح «algorithm» الذي يدل على أي عملية حسابية منتظمة، ويشكل اليوم أساس تقنيات المعلومات.
كما وجدت إنجازاته العلمية الأخرى تعبيرها الفني في هذا العمل. فعلى سبيل المثال، تم تمثيل حركة الشمس والقمر، والنظام الكوكبي، والدوال المثلثية التي وردت في كتابه «زيج» عبر صور رمزية. وقد شكل هذا العمل أساساً منهجياً مهماً للرسائل الفلكية التي أُلفت خلال القرون الستة التالية، كما شرحه علماء كبار مثل أحمد الفرغاني وأبو الريحان البيروني. وبعد ترجمته إلى اللاتينية عام ١١٢٦، دخل بعمق إلى البيئة العلمية الأوروبية. وأصبحت أسماء الدوال المثلثية فيه مثل «sinus» و«cosinus» مصطلحات رياضية عالمية.
أما خريطة «المأمونية» فهي من أوائل الخرائط في العصور الوسطى التي صورت الجزء المعمور من الأرض. وقد رُسمت هذه الخريطة بالألوان على جدار قصر الخليفة المأمون (٨١٣–٨٣٣). وترد معلومات تفصيلية عنها في كتابه «صورة الأرض»، حيث قدم إحداثيات دقيقة لأكثر من ٢٤٠٠ موقع جغرافي، وهو إنجاز علمي غير مسبوق في ذلك العصر. كما تم في هذا العمل وصف «البحر المظلم» أي المحيط الهادئ لأول مرة، إضافة إلى معلومات عن شبه الجزيرة الكورية وجزر اليابان وأنظمتها النهرية.
وتكمن الأهمية العلمية الكبرى لهذه الخريطة في أنها صححت خطأً مبدئياً في خريطة العالم التي وضعها العالم اليوناني بطليموس في القرن الثاني، حيث كان يرى أن اليابسة تحيط بالمحيط العالمي. أما الخوارزمي فقد أثبت علمياً العكس، وهو أن المحيط العالمي يحيط باليابسة كنظام متكامل. وقد أحدث هذا التصور تحولاً جذرياً في تاريخ علم الخرائط، وأصبح أساساً منهجياً لتطور هذا العلم في العصور اللاحقة، ومهّد الطريق للتفكير العلمي حول المناطق غير المعروفة من الأرض والاكتشافات الجغرافية الجديدة.
وفي اللوحة الجدارية المخصصة للخوارزمي، تم تضمين اختراعاته الأخرى، ومنها الساعة المائية.
زاهد الله منوروف، الباحث العلمي الرئيسي في مركز الحضارة الإسلامية:
يحتل تصوير المكان الذي وُلد ونشأ فيه العالم، وهو قلعة تكش في كونه أورغنج، مكانة خاصة في العمل. كما أُغني التكوين بصور علماء من حضارات مختلفة كانت مصدر إلهامه العلمي، مثل العربية والهندية واليونانية والآشورية والفارسية.
ولتعزيز الجاذبية الفنية للعمل، تم استخدام عناصر معمارية تعود إلى عصره، وزخارف دقيقة، والأسترلاب والأدوات العلمية الأخرى التي استخدمها، إضافة إلى نماذج من فن الخط العربي.
شاهنوزا رحمنوفا
يمكن إعادة نشر المقال مع الإشارة إلى رابط الموقع الرسمي للمركز


