

الأخبار
سر صورة الطيور على الأواني الفضية السغدية القديمة
إذا ألقينا نظرة على التاريخ القديم لآسيا الوسطى، نجد أن هناك بعض الأعمال الفنية التي يمكن من خلالها فهم رؤية عصر كامل للعالم. وتُعد الأواني الفضية المنسوبة إلى الثقافة الصغدية — ولا سيما الصحون المزينة بصور الطيور — من بين هذه الآثار الفريدة. واليوم تُحفظ هذه القطع في قسم ما قبل الإسلام في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وتستقطب اهتمام الباحثين لما تحمله من دلالات رمزية عميقة.
القطعة الأثرية الأولى هي صحن فضي يعود إلى القرنين ٦–٧، ويتميز بقاعدته المرتفعة وتكوينه المركزي على شكل ميدالية يلفت الانتباه مباشرة. وفي داخل هذه الميدالية صُوّر طائر ذو ذيل طويل بأسلوب بارز ودقة متناهية. ولا يحتوي هذا التصوير على زخارف زائدة، لكن شكله بحد ذاته يترك أثرا جماليا قويا. فجسم الطائر خفيف، وخطوطه واضحة، مما يدل على مهارة الحرفيين العالية.
أما القطعة الثانية فهي صحن فضي مذهّب يعود إلى القرنين ٦–٨، ويتميز بتكوين أكثر تعقيدا واحتفالية. وفي مركزه يظهر طائر مهيب يضع على رأسه هالة وتاجا. وتُعد الهالة أبرز عنصر رمزي في هذه القطعة.
فما هي الهالة؟ الهالة هي دائرة نور تُصوَّر حول الرأس، وقد استُخدمت منذ القدم كرمز للقداسة والصفة الإلهية. ورغم اختلاف تفسيرها بين الثقافات، فإن معناها الأساسي يكاد يكون واحدا: فهي ترفع الكائن من مرتبته العادية إلى مرتبة سامية. وفي الفن الصغدي تحمل الهالة هذا المعنى أيضا، أي أنها تشير إلى ارتباط الصورة بقوة سماوية. وبذلك فإن الطائر المصوَّر ليس مخلوقا عاديا، بل رمز للبركة الإلهية والمقام الرفيع.
كما أن التاج الذي يحيط بعنق الطائر يُعد رمزا للسلطة والعظمة. وعند اجتماع هذين العنصرين، تزداد دلالة الصورة عمقا، حيث يصبح الطائر رمزا يجمع بين القداسة والهيمنة. وتشير الزخارف النباتية على جسمه إلى الارتباط بالطبيعة والحياة، بينما تعبر الخطوط المنحنية في الذيل عن الحركة والاستمرارية. أما الخلفية المزينة بزخارف حلزونية فتعزز فكرة الحياة الأبدية والتجدد.
ديلوروم تشورييفا، كبيرة الباحثين العلميين في مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان:
"لم يُختر رمز الطائر في الفن الصغدي القديم اعتباطا. فحسب المصادر التاريخية، كان يُنظر إلى الطائر منذ العصور القديمة بوصفه وسيطا بين السماء والأرض. وهو رمز للحرية والسمو الروحي والنور الإلهي. ولهذا السبب استُخدم تصوير الطيور على نطاق واسع في الأواني الطقسية. وهذه الأواني لم تكن مجرد أدوات يومية، بل كانت تُستخدم في المراسم الرسمية والاحتفالات المهمة."
وتُظهر هذه القطع أن الصور في الفن الصغدي لم تكن مجرد زخارف، بل كانت جزءا من منظومة فكرية وروحية معقدة. فمن خلال رمز الطائر تم الجمع بين مفاهيم النور الإلهي والارتقاء الروحي والسلطة والخلود. وهذا يدل على أن نظرة المجتمع القديم للعالم لم تكن جمالية فحسب، بل قامت على أسس كونية وفلسفية عميقة. كما تُبرز هذه القطع العلاقة الوثيقة بين الإنسان والطبيعة والعالم الإلهي.
ويرى البروفيسور ألكسندر نايمارك أن مثل هذه الأعمال تُعد من أرقى نماذج فن الصياغة الصغدية. بينما يؤكد الباحث جوليان رابي أن هذه القطع تعكس استمرارية التقاليد الفنية في آسيا الوسطى. كما يشير الأكاديمي أكبر حكيموف إلى أن هذه الآثار تمثل إرثا قيّما يرتبط مباشرة بأراضي أوزبكستان المعاصرة.
ومن حيث الأسلوب، فإن هذه الأواني قريبة من النماذج المحفوظة في المتحف البريطاني ومتحف اللوفر ومتحف المتروبوليتان. غير أن ميزتها الكبرى تكمن في حالتها الممتازة ووصول التكوين الفني إلينا بصورته الأصلية.
وهاتان القطعتان ليستا مجرد أوان فضية، بل هما نافذة نطل من خلالها على معتقدات المجتمع الصغدي القديم ونظرته إلى الفن والعالم. ويقف رمز الطائر في قلب هذه الرؤية، بوصفه تجسيدا للنور الإلهي والحرية والخلود. ولذلك فإن هذه القطع لا تُعد مجرد آثار تاريخية، بل تمثل تجليا حيا للتراث الروحي لأسلافنا.
ليلو عبد القهاروفا
ملاحظة: يمكن إعادة نشر المقال مع رابط إلى الموقع الرسمي للمركز
الأكثر قراءة


قام رئيس جمهورية صربيا ألكسندر فوتشيتش بزيارة مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان

مركز الحضارة الإسلامية – منصة عالمية تقود إلى المعرفة
زيارة إلى المركز
خطط لزيارتك إلى المركز وسجّل.